Filed under: Uncategorized
بالتأكيد الجيل القديم فاهم الدنيا غلط..
جيلنا، كما أنه لا يؤمن بفكرة القائد الأب أو الرمز، لكنه يظل في نفس الوقت وفيًا لذكريات كثيرة أثرت في تكوينه.. حنين لأجواء من الزمن القديم.. من بينها ما كان يفعله مبارك وكنا نشاهده ونحن صغار على شاشة القناة الأولى حين يرفع اللافتة عن لوحة جرانيت منقوش عليها افتتح المشروع الفلاني في عهد الرئيس أو يتلمس بكفيه سنابل القمح في مشروع توشكى الفاشل مع دمج للأهرامات أو أبو الهول وفي الخلفية أغنية وطنية كاخترناه ولا ينتهي هذا بالاهتمام بنوع النظارات الشمسية التي كانت يرتديها الريس..
الجيل القديم انقلب انقلابًا حادًا حتى سخر من هذه الطقوس كلها التي نحمل لها حنينًا نوستاليجيًا فظيعًا، وكان هذا صادمًا وموجعًا لجيلنا، فهو أولاً يعكس تنكرًا وندالة وانتهازية منقطعة النظير من جيل كان ضمن هذا المشهد وأحد تفاصيله ورغم ذلك لم يحمل له ذرة وفاء.. ثانيًا لأنه يظن بهذا أنه يتقرب لجيل ما يسميه الإعلام له “بالثوار”، أو كي يواكب المرحلة، وعمر المرحلة ما كانت قليلة الأصل، ربما كنا نسخر مما يفعله الرئيس، ربما كنا نتابعه بإعجاب ونحن صغار، ربما كنا ننجذب للحن وكلمات أغنية اخترناه لأنها كانت حلوة فعلاً ولا نفهم أنها تكرس لحكم أزلي وتجور على كل حقوقنا وكل ما شغلنا فقط أنها حلوة.. ربما لم نكن فاهمين لكن الأجواء كانت لطيفة وإلا ما خرج هذا الجيل يتحدث عن طفولته المبهجة ويتذكر أيام زمان بسعادة..
هذا الشباب حين كبر قليلاً وبلغ مرحلة ما من النضج والوعي بما يدور حوله، اكتشف الفارق الكبير بين شخصية مبارك وزمن شخصيات بضينة مثل جمال مبارك وأحمد عز وممتاز القط وأسامة سرايا وعبد الله كمال.. اكتشف أيضًا شخص لا يراعي عوامل الزمن ويصر على صبغ شعره كي يختلط بالمرحلة البضينة التي يمثلها ويقودها ابنه مفجر ثورة التحديث في الحزب الوطني. كانت صورة مبارك القديمة قد قُتلت وانتهت وفقد الجيل الجديد إعجابه بها كما فقد إعجابه بنيولوك إيهاب توفيق الذي يتحدى الزمن ويصر أن موسيقاه ذاتها وكلماته التافهة ذاتها مازالت تعجب الناس..
ومثلما اندثرت روائع راغب علامة وكاظم الساهر ومحمد فؤاد اندثرت روائع حسني مبارك ولم يبقى سوى صورة لرجل كهل يجلس على عرش خرابة قذرة مليئة بالتراب والقمامة اسمها مصر..
الجيل القديم لم يفهم أن سبب ثورتنا هو موت النوستاليجيا، أن مبارك لم يعد كما كان، لم يعد يقيم مؤتمرات كبيرة ويطلق إفيهاته فيها وننتظر الشخص الفلاح الذي يقوم وسط الجماهير ويهتف “العلاوة يا ريس”، ويتجول في الحقول يداعب سنابل القمح بيديه ويشد طرف الخيط ليزيح الستارة عن الجرانيتة ويجلس في الصفوف الأولى يستمع لأوبريت يتغنى بحرب أكتوبر.. أصبح الزمن بضينًا وماسخًا فثرنا – نحن على الأقل – بينما جاء جيل الآباء والأجداد المغفلين يظن أننا ثرنا بسبب الفساد أو القمع أو الفقر، ولم ينتبه أنه يدوس على حنين جيلنا لأيام زمان..
هرمنا يا ولاد الوسخة وانتوا لسه بتصبغوا..
ــــــــــــــــــــــــــ
الصورة من فليكر