تجريب


شريط صوت تالف
August 29, 2014, 1:01 am
Filed under: Uncategorized

ذهبت إلى مكتب استوديو الأحلام بشارع فيصل لإنجاز تسجيل صوت الفيلم الوثائقي الذي أعمل عليه منذ أسبوع وأريد إنهائه بأسرع وقت وأي شكل كي استلم باقي ثمنه، أعمل بنظام المنتج المنفذ، أكتب الفيلم وأشرف على تسجيله ومونتاجه وإخراجه، ويعاونني أصدقائي الذين يعملون معي منذ سنوات، في العادي نستطيع إنجاز أكثر من عمل أسبوعيا وتسير الأمور ببساطة. لكن هذه المرة لم تسير الأمور على ما يرام، عدة تعقيدات ظهرت فجأة تسببت في تأخر تسليم الفيلم وأصابني هذا بالعصبية حيث كنت أعاني من ضائقة مالية خانقة. طرقت الباب ثم انتبهت لزر الجرس الأحمر فضغطه مرة واحدة. فتحت كريستين الباب وأفسحت الطريق وهي تضحك “إزيك؟”. أشارت بيدها للداخل وأغلقت الباب خلفي، أصرّت أن أشرب شيئا وحين قلت لها أني لا أشرب الشاي ولا البيبسي كما تعرف ابتسمت وأشارت بيدها بمعنى “ثانية واحدة”، وبينما تبتعد استرقت نظرة لأردافها الكبيرة. التكييف يعمل بقوة في صالة الاستقبال الواسعة والمزدحمة بالأثاث، على يمين الداخل من الباب مكتب للسكرتارية ثم ممر واسع يفضي لغرفة المونتاج واستوديو الصوت، وستارة أنيقة تحجب البوفيه. السجاد كالح اللون ولم أستطيع تحديد هل هو مترب أم أن لونه يتسبب بهذا الإيحاء، التكييف أعلى الباب اتسخت بعض جوانبه ويصدر صوت عالي بشكل غير طبيعي، السقف منخفض رغم مساحة المكتب الواسعة، مقاعد الصالون غير متناسقة الشكل ولا الألوان وثمة عشوائية في ترتيبها، بعض المجلات والأوراق ملقاة هنا وهناك وصوت مسلسل مدبلج يأتي من مكان ما، ربما كانت كريستين تشاهده في الغرفة البعيدة القابعة في عمق البيت. المهم أنه لا يصلني أي شيء من جحيم شارع فيصل، لا الحر ولا الضوضاء. عادت ووضعت أمامي كان بيرة ستيلا صغير وبجواره كوب تستقر في قعره بضع مكعبات ثلج. أبديت امتناني الحار فجلست على المقعد المجاور، سألتني عن موعد منتصف الأسبوع كان مفترض أن آتي لهم، قلت أن صديقنا – الذي يسجل الصوت – حدث له ظرف طارئ فاضطررنا لتأجيل الموعد، تساءلت ماذا حدث؟ “أبدا، أبوه تعب شوية فسافر”، تعجبت “مش أبوه كان مات؟” “آه كان مات، بس من يومين تعب شوية فسافر يطمن عليه!”، ضحكت ومدت يدها فضربنا أكفنا ببعضها ضربة رقيقة “بيشتغلنا كالعادة!”، قامت لتبلغ الدكتور بحضوري. مخرج عجوز لكن خفيف الروح، من هؤلاء الناس كبار السن الذين تستطيع الحديث معهم ببساطة في أي شيء، من جانبهم يميلون أكثر للمبادرة بالكلام والثرثرة وتتركز أحاديثهم حول حكايات ذاتية ربما لحاجتهم لانتزاع الاحترام والتقدير والإعجاب، وهذا شيء أستطيع بذله بدافع الشفقة. ناداني من غرفة المونتاج، كان منكبا على الوحدة يعالج إضاءة مشهد في برنامج ما. سحب الدخان الكثيفة عالقة في سقف الغرفة، هو مثلي يدخن بشراهة، جلست بجانبه فبادرني “برنامج ابن عرص ميت وقفة وميت قطعة”، سألته “مين دا؟” “واحد ابن وسخة مش فاهم حاجة، تخيل، وقف عند جملة، علّق وقعد يتهته، قلتله عيدها تاني وقطعت وابتديت من اللونج، قالي بتبعد ليه، قلتله عشان مايبقاش فيه جامب قالي مش بحب الحركة دي، قلتله طب وانت متبقاش تغلط، واحد زي دا هتقوله إيه، طلع دين أمي”، أحب طريقة كلامه خاصة وأنه يجيد تقليد لزمات الآخرين. كان الصوت في البرنامج رديء جدا لكني لم أعلق، عواجيز هذه المهنة حساسين تجاه النقد رغم أن تراثهم المهني مليء بالهراء، كأي صاحب مهنة حين يشعر أن الزمن تجاوزه فلا يصدّر إلا الاحتقار لأعمال الآخرين، لكن أليس ما أفعله أنا أيضا كله هراء ومن أجل المال؟ تذكرت الضائقة المالية فشعرت بالإحباط. نزع وجهه من الشاشة ونظر للكان في يدي ثم نادى “كريستين فين البيرة بتاعتي؟” ثم بصوت خفيض “أحا تشرب إنت وأنا اتعك في الشغل بن الوسخة دا” قام من مقعده الجلدي الوثير “تعالى بص ع الشغل دا علبال مجهز استوديو الصوت”، جلست وأمسكت الماوس أتصفح ما أنجزه كمخرج ومصور ومهندس صوت وفني إضاءة حيث ينفذ أعماله بطريقة وان مان شو، كان كل شيء رديء إلا تكوين الصورة الشيء الوحيد الذي كان معقولا، تعجبت من يأتي إلى هنا كي ينفذ أي منتج أصلا؟ من أين يصرف الدكتور على هذا المكتب الواقع على واجهة شارع فيصل الرئيسية؟. على الحائط صورة فوتوغرافية قديمة له بشعر غزير ونظارة شمسية، قصة شعر من بداية التسعينات ونظرة جانبية تقليدية باعوجاج في الرقبة مثل صور المطربين على أشرطة الكاسيت إبان حقبة التسعينات الفقيرة جماليا، بعض الزويا متربة وفضاء المكان عتيق بشكل يثير الانقباض لكن بمرور الوقت يمكن التكيف معه، بضع سماعات من نفس النوع يبدو أنها تالفة معلقة بجوار ترايبوت لكاميرا غير موجودة، بطارية كاميرا ملقاة على الأرض بجوار الكرسي، كشّاف إضاة على طرف المقعد، أوراق صحف مطوية بشكل غير متساوي على ترابيزة صغيرة محشورة بين مقعدين. ما هذه الفوضى يا دكتور؟، أكره التراب ويثير بداخلي كآبة. دخلت كريستين وسألتني عنه فأشرت خلفي، ناولته الكان وجاءت لتجلس بجانبي “تخيل، كيتي ولدت هنا” وأشارت لركن بجوار المكتب الطويل “لكن البيبي اختفى مش عارفة راح فين؟ تعرف البيبي دا يتباع بكام بحوالي ألف جنيه” “ؤمال القطة الكبيرة بكام؟” “لا القطط بتتباع صغيرة، الكبيرة ملهاش سعر”.قلت في سري زي الدكتور كدا. ضغطت بلاي لأواصل مشاهدة البرنامج، كان الصوت رديء جدا كأنه انعكاس لصدى الصوت في الحمام، فكرت أي فيلتر يصلح لعلاج هذه المشكلة، للأسف لا يوجد، هذا الشغل برمته تالف. “الراجل دا مش مرتحاله!” أشارت للشاشة، “ليه؟” “حاسة من كلامه إنه متعاطف مع داعش” “عادي شغل” “كل البلاوي دي اتفتحت علينا من ساعة الثورة إحنا غلطانين إننا نزلنا” “ممكن نكون غلطانين في قرارات خدناها بعد الثورة لكن الثورة لأ” ” ممكن” “يعني السيسي بتاعك مكنش هييجي من غير الثورة” “صح” استغربت نفسي قليلا كيف أتعامل بهذا المنطق بسهولة وبساطة، ناداها الدكتور فقامت. كريستين المرأة الثلاثينية البدينة ذات الوجه الدائري والابتسامة المريحة والشعر الذي ليس بالأسود ولا الأشقر بل بين اللونين. تذكرت موعد مع صديق خليجي في الساعة التاسعة على مقهى نجيب الريحاني، نفس الصديق وذات مرة في غمار نقاش حول حماس انحرف بالحديث ليعلق على الصورة التي يأخذها الإخوة العرب عن مصر وكيف تسببت الدراما والسينما المصرية في تشويه الصورة كما يقول ثم قال لماذا تجلس معنا كريستين ونحن نتفق كل مرة؟ ثم حدثني أنه اكتشف حين جاء مصر أنها بلد محافظ جدا، والنساء محجبات والإسلام موجود. أثار الحديث قرفي ولم أبالي بخوض نقاش بلا جدوى، كسم الصورة اللي حضرتك زعلان عليها. عادت وجلست بجانبي فضاق بنطلونها القماشي من عند الفخذين فشعرت بإثارة خفيفة. “مش عارفة راح فين ممكن تكون خبته في حتة لحد ما يكبر شوية” ” “…..” “مسمعتش صوت نونوة؟” “خالص” “يبقى أنا عندي هوس لوحدي بقى” “شوفيها كدا ممكن تكون محشورة ورا المكتب” تلفتت حولها “دورت في كل مكان” دخلت القطة الرمادية السمينة تتهادى ثم قفزت فوق المقعد الجلدي والتفت حول نفسها تتابعنا بعينيها الكسولتين، سألتها “كيتي فين البيبي؟” فأغمضت عينيها ولم ترد.

 

Advertisements


أحلام فترة النقاهة – مختارات
November 30, 2013, 10:56 pm
Filed under: Uncategorized

8698_10152940608690556_1349877647_n

فى ظل نخلة على شاطئ النيل استلقت على ظهرها امرأة فارعة الطول ريانة الجسد وكشفت عن صدرها ونادت يزحف نحوها الأطفال لا يحصرهم العد وتزاحموا على ثدييها ورضعوا بشراهة غير معهودة وكلما انتهت جماعة أقبلت أخرى وبدا أن الأمر أفلت زمامه وتمرد على كل تنظيم وخيل إليّ أن الحال تقتضى التنبيه أو الاستغاثة ولكن الناس يغطون فى النوم على شاطئ النيل. وحاولت النداء ولكن الصوت لم يخرج من فمى وأطبق على صدرى ضيق شديد. أما الأطفال والمرأة فقد تركوها جلدة على عظم ولما يئسوا من مزيد من اللبن راحوا ينهشون اللحم حتى تحولت بينهم إلى هيكل عظمى، وشعرت بأنه كان يجب عليّ أن أفعل شيئا أكثر من النداء الذى لم يخرج من فمى وأذهلنى أن الأطفال بعد يأس من اللبن واللحم التحموا في معركة وحشية فسالت دماؤهم وتخرقت لحومهم ولمحنى بعضٌ منهم فأقبلوا نحوى أنا لعمل المستحيل فى رحاب الرعب الشامل.

* * *

كنتُ أتطلع إلى امرأة فاتنة تسير في الطريق، فاقترب مني بجرأة وهمس في أذني أنها تحت أمري إذا أمرت. كان برَّاق العينين منفرًا ولكني لم أصده، واتفقنا على مبلغ وأصر على أن يأخذ نصفه مقدمًا فأعطيته النصف وضرب لي موعدًا، ولكن عند اللقاء كان بمفرده واعتذر بتوعك المرأة وكان على أتم استعداد لرد المقدم ولكني صدقته وأبقيته معه، وكان يقابلني في حلي وترحالي ويطالبني بالصبر. وخشيت أن تسيء هذه المقابلات إلى سمعتي فأخبرته أنني عدلت عن رغبتي ولن أسترد المقدم ولكن عليه ألا يقابلني. ولم يعد يقابلني ولكنه كان يلوح بها في أكثر الأماكن التي أذهب إليها.

وضقت به كما كرهته وقررت الانتقال إلى الإسكندرية، وفي محطة سيدي جابر رأيته واقفًا وكأنه ينتظر.

* * *

من شدة الرعب تسمرت قدماي في الأرض، فعلى بعد ذراع مني شبت ثلاثة كلاب ضخمة متوحشة تريد أن تنقض عليّ لتفتك بي لولا أن قبضت على أذيالها امرأة باستماتة.

وإلى اليمين وقفت كلبة في ريعان الشباب، آية في غزارة الشعر وبياضه ونعومته وكانت تشاهد ما يحدث في قلق تجلى في اهتزازات ذيلها القصير المقصوص.

وارتفع نباح الكلاب الثلاثة وتتابع كالرعد واشتعلت في أعينها الرغبة المتأججة في الفتك بي ولما تعذر عليها الوصول إليّ استدارت فجأة ووثبت على المرأة وعند ذلك اقتلع الرعب قلبي وارتمت عليّ الكلاب. أما الكلبة الجميلة فتطلعت لي مدة وترددت لحظة عابرة ثم ألقت بنفسها في المعركة دون مبالاة بالعواقب.

* * *

رأيتني في حي العباسية أتجول في رحاب الذكريات، وذكرت بصفة خاصة المرحومة عين فاتصلت بتليفونها ودعوتها إلى مقابلتي عند السبيل، وهناك رحبت بها بقلب مشوق واقترحت عليها أن نقضي سهرتنا في الفيشاوي كالزمان الأول، وعندما بلغنا المقهى خف إلينا المرحوم المعلم القديم ورحب بنا غير أنه عتب على المرحومة عين طول غيابها، فقالت إن الذي معنها عن الحضور الموت فلم يقبل هذا الاعتذار، وقال إن الموت لا يستطيع أن يفرق بين الأحبة.

* * *

صحوت من نومي على أصوات تناديني غير عابئة بوقار الليل، وسرعان ما عرفت منها أصوات صديقات الزمان الأول، وكن يذكرنني بالميعاد الذي لم أنجزه فتلفحت بالروب وهرولت إلى الخارج، ولكني وجدت الشارع خاليًا والصمت سائدًا.

———-

نجيب محفوظ – أحلام فترة النقاهة

 



ليلة السكاكين الطويلة
November 14, 2013, 1:32 am
Filed under: Uncategorized

كان أبي يحب أمي بقدر ما تهبه من ذكريات. لا أراهما يتضاحكان إلا حين تجلس لتسرد قصة من الماضي، كيف التقيا وضحك عليها وتزوجا، صراعاتها مع عماتي وحقدهن عليها، غرامها في أيام المراهقة بالفنان سمير صبري، إعجابها الحقيقي والعميق بكل مساوئ أبي في شبابه. كان أبي يحب تلك الحكايات، يستمع لأمي بشغف، وتظل عينيه معلقة بها في هيام عجيب، لا يسمح لأحد منا بمقاطعتها حتى تنتهي. هي أيضا كانت تبتسم وتتأمل الفراغ، كأنها تحكي لنفسها ولا تعطي اهتماما حقيقيا لإعجاب المستمعين أو مدى تفاعهلم مع قصتها. لم يشتركا أبدا في حكاية، تقول أمي ما يخصها من الذكريات، ويتحدث أبي عما أنجزه فقط. لكنه لم يكذبها أبدا، بل كان يومئ موافقا على كثير مما تقوله ولو كان مخجلا له، حينها يبتسم باستهتار، باعتبار أن مرور العمر يقي ألم التجارب ويخفف صدماتها. كان حين يسمعها يبدو كمن يريد استكشاف نفسه، كيف كان. كان ذلك يشير أيضا إلى جهله بطبيعتها، الجهل الذي يعتذر عنه بعدم السماح بمقاطعتها والإنصات لها باهتمام. في الأوقات القليلة التي تتحدث فيها أسرتي عن ماضيها كنت أشعر أيضا بالطمأنينة. حالة الصفاء والإحساس بالود. كانت أوقاتا جيدة لأبي وأمي. لكن في الأوقات العادية كانت تشهر في وجهه سكينا وتصرخ فيه فجأة “عايز إيه مني يا بن المتناكة؟”، وكانت تلك العبارة تلخص تجربة طويلة، لها ما لها، وعليها ما عليها.

 



لا أدري
October 31, 2013, 10:54 pm
Filed under: Uncategorized

هل أبدو لك كمؤمن؟ أعني الإيمان بوجود الرب مثلاً، كمرجعية أو نقطة ارتكاز تحرك العالم من حولي وتتحكم في مصيري؟. دعني أخبرك أني على سبيل المثال كنت قد توقفت أمام قضية مثل تلك مكتوف الأيدي مفسرًا موقفي بإجابة صادقة أني لا أدري. لكني فتُنت بفكرة اعتبار أن المرجعية هي الإنسان، وعلى وجه التحديد، مشاعره، ضعفه وحزنه وبؤسه والأسى الذي يتملكه أغلب الوقت. تفهم جنونه، لا ليس تفهم، بل الحق في الجنون، الشكل الأقصى لتعبير الإنسان عن نفسه، دون رقابة من سلطة أو مجتمع. إدراك المغزى من وجود أشياء دون غيرها تبعث على السعادة. يتطلب هذا بالتبعية نفي أي فكرة عن الهادي، سواء كشخص أو فكرة. فالافتراض من حيث المبدأ بوجود الرب، يستجلب – كأي يقين – غضب من يؤمنون به موجه ضد من لا يؤمنون. خاصة وأنها فكرة تتجاوزك أنت كشخص، تجرك بعيدًا عن مزاجك ورؤيتك لنفسك وإيمانك بما تريده فعلاً. لكن على العموم تبدو فكرة إنسانية بلا ضغائن صعبة وبعيدة المنال. في فترة مبكرة من عمري سعيت قاصدًا شعور الإيمان ومستسلمًا له تمامًا. جربت وقتها مشاعر مثل الندم والرغبة في البكاء دون سبب محدد، أو لأسباب عجز ذهني عن تصورها، وتتعلق في الغالب بمدى عظمة الرب وقسوته وحنيّته ولون النار الذي أبيض من شدة الغيظ والتحفز في انتظار العصاة. بمرور بعض الوقت صرت غير مكترث بالأمر لأنه ببساطة لم يعجبني. في فترات تعثري وإحباطي لم أفكر في يد إلهية تنقذني، بل كنت أعرف في كل مرة أني مسئول عن كل ما أفعله ويصيبني، وأني موجود هنا على مسئوليتي. وحتى حين كنت أعرف أني نلت ما أستحق، كنت لا أجد مانع من الاعتراف أني مازلت حزين.

. . . .



حكايتان
October 16, 2013, 11:10 pm
Filed under: Uncategorized

صيف 2003

هجرت بيت أسرتي وخضت رحلة نزوح غير محددة الهدف. في الأيام الأولى كنت مفلسا، انتظرت صديق يأتي ليقلني إلى بيته أنام يوم أو اثنين لكنه لم يأتي، انتظرت حتى آخر الليل بلا جدوى. نمت على سلم المترو حتى أيقظني في الصباح صوت أقدام المارة ورائحة التراب. كنت ملتزم بعمل على دراسة مع صديق لأحصل على مبلغ يساعدني فيما يستجد من ظروف وطلب أن أقابله في بيت صاحب المجلة وهو نفسه العميل صاحب الدراسة. كان البيت شبه خالي من الأثاث وغير مخصص للإقامة، على ما يبدو صاحب المجلة يفكر في إنشاء مقر فيه، فهناك كثيرمن نسخ المجلة وكتب مختلفة ملقاة في كل مكان. وبحجة سهري على إنجاز الدراسة طلبت من صاحب الشقة أن أبيت فيها ليوم أو اثنين. في شارع الهرم خلف مبنى مطبعة البنك المركزي تقع الشقة. يطل شباك الغرفة التي نمت فيها على الفناء الخلفي للمطبعة. مخزن كبير على مساحة واسعة تنبت على أرضه الاسفلتية أعشاب صحراوية وحول سوره العالي أبراج مراقبة لم أرى فيها أحد، وكانت بضع كلاب هائمة بين صناديق البضائع المغطاة لكن لا أثر لأي عمال. في اليوم الأول كنت أحمل حقيبتي وأسير بحذو سور مبنى المطبعة المرتفع فوجدت شخص ميت، بدين يرتفع كرشه إلى أعلى ولون وجهه شاحب جدا، كان هناك امرأة تميل عليه تضربه على خده باستمرار، كانت تبكي وتلتفت حولها تبحث عن مساعدة، تصرخ أنه مات وتنادي على أي أحد. تجمع بضع أشخاص ينظرون بفضول وكنت تعبان بعد ليلة قاسية على سلم المترو فأكملت طريقي. لم يكن في الغرفة أي فرش، فقط سجادة لونها داكن. طوحت شنطتي واستندت إلى الحائط أدخن سيجارة ثم نمت. بعد مدة استيقظت على كابوس مخيف، ما تذكرته منه، جثة الرجل ذو الوجه الشاحب الذي مات إلى جوار سور المطبعة ظهر اليوم. بعد نوبات نوم متقطع قمت مفزوعا على صوت طلقات نارية تأتي من الشارع، فتحت النافذة فكانت شمس الظهيرة الحامية. كان هناك عسكري يرتدي الزي الرسمي ويجلس على إحدى ركبتيه ويصوب بندقيته إلى هدف لا أراه. فجأة دوت الرصاصة فعوى كلب خرج من بين سيارتين وجرى مخلفا ورائه خيط دماء. بضع أمتار وسقط يتلوى، من نهاية الشارع جاء كلب آخر يعدو، وقبل أن يصل إلى الكلب المصاب وقف ينظر بقلق للعسكري الذي مازال متخذا وضع التصويب وإن غير فوهة البندقية باتجاهه. بعد تردد أكمل الكلب عدوه واقترب من المصاب. مال عليه يتشمم رقبته وجسده، بعد قليل دوت طلقة أخرى فترك الكلب صاحبه المصاب وجرى، رصاصة أخرى أصابته فسقط يعوي عواءً أليما قبل أن يتوقف جسمه على الانتفاض. كلب آخر خرج زاحفا من تحت سيارة قديمة وانطلق مباشرة إلى نهاية الشارع دون أن ينظر خلفه أو يهتم بأمر الكلبين، لكن صدر دوي الرصاصة قويا أعقبه سقوطه وتدحرجه على الأرض غارقا في العواء والنحيب قبل أن تهمد حركته. قام العسكري من جلسته ونفض ركبته ثم أطلق صافرة رفيعة فجاءت من نهاية الشارع سيارة ذات صندوق معدني مفتوح على مصراعيه. رفع العسكري البندقية على كتفه وأخرج من جيبه قفازين ارتداهما ثم سحب جثث الكلاب من ذيلها وألقاه في صندوق السيارة واحدا بعد آخر. أغلقت النافذة بإحكام وجلست مذهولاً، كنت أشعر بالخوف وكان باب الغرفة أمامي مفتوح على ممر خالي، قمت لأغلقه فرن جرس الباب فجأة، تجمدت مكاني، رن مرة أخرى، كان رنينه حاد وصاخب، حاولت إغلاق الباب لكن لا يوجد فيه مفتاح فشعرت بالهلع، تراجعت قليلا ثم عدلت عن الفكرة فورا وجلست مسندا ظهري بقوة للباب. رن الجرس بإلحاح لكني لم أفتح.

. . . .

خريف 2013

ذهبت لزيارة أسرتي. كنت محافظا على علاقة أصبحت سطحية بمرور الوقت، لكني أرعى شؤون العائلة وأدين لهم بالولاء ولا دخل لهذا بذاك. هذا أمر مؤكد. سلمت على الجميع لكن لم أجد أمي، قال أبي على سبيل المزاح أنها ربما زهقت منه وهجرته. لم ابتسم حتى، قمت أبحث عنها في المطبخ لم أجدها، غرفتها التي يشاركها فيها أبي مغلقة بإحكام، ناديت عليها لكن لا ترد، قال أبي إنها ربما تكون نائمة، لكن أختي قاطعته وقالت “مش نايمة، مش بتفتح لحد ولا بترد على حد بقالها فترة”. سألت بحدة “حد زعلها؟” لكن أختي شدتني من يدي وأجلستني إلى جوارها وحكت لي أن تغيرا طرأ على أمي منذ ثلاثة أشهر تقريبا، تدخل أبي وقال منذ الأحداث الأخيرة تحديدا، أي أحداث؟، فض اعتصام رابعة والنهضة، كنا نشاهد على الجزيرة فض الاعتصام منذ الصباح، الضرب والقتل وصوت الصراخ ولون الدماء والحرائق. أيضا في الشارع كان يدوي في هذا اليوم صوت رصاص ودخل الدخان المسيل للدموع من النوافذ. ذعرت أمي وحاولت أغلاق الشبابيك بإحكام لكن الدخان كان يخنقها وأبي. بعدها صارت أكثر عزلة. كانت تخرج قليلا من البيت مع أبي. لكن لم تخرج بعد هذا اليوم، بل إن خروجها من الغرفة قل جدا ثم صارت تغلق عليها الغرفة من الداخل ولا تستقبل أحد، تخرج في أوقات قليلة للأكل معهم ثم تدخل مرة أخرى وربما تغيب ليوم أو يومين. ثم قال أبي على سبيل المواساة أننا بعد تجارب بعينها نصبح أقل استعدادا لتحمل الألم.

 



مياه ضحلة
September 12, 2013, 3:30 am
Filed under: Uncategorized

حضرت إلى المجلة مبكرا. لم آلف العمل هنا بعد ولا أعرف المواعيد اليومية أو اليوم المخصص لتقفيل العدد الأسبوعي، كان اليوم الثاني لي وفكرت في إعداد تقييم موقف عن الديموقراطية في مصر. المجلة متنوعة لكن تولي اهتمام خاص بصفحات الفن والمجتمع. ما لاحظته أنه لا يوجد كمبيوتر، كل محرر له مكان مخصص وأمامه بضع أوراق وقلم. تعرفت بالضرورة إلى مدام راقية رئيس التحرير وكانت سكرتيرتها حنان تجلس دائمًا بالقرب منها. لا يوجد مكتب لرئيس التحرير فمدام راقية تجلس على نفس الطاولة مع المحررين وتسود في الغالب حالة صمت لا يقطعها إلا محرر يقوم ليعود بكوب شاي أو نسكافيه. لم أعرف إن كان ما أكتبه سيلائم محتوى الصفحة السياسية للمجلة فناقشت مدام راقية في الفكرة. رفعت رأسها عن البروفات التي تراجعها وعدلت نظارتها الطبية ونظرت لي بعينين زرقاويتين حادتين. قلتُ إن الفكرة تنطلق في الأساس من أن تطبيق الديموقراطية وسط شعوب تعاني من منظومات تعليمية فاشلة وخاضعة لنفوذ الدولة لن تجدي، وسنظل ندور في دائرة مفرغة في مجتمع يعيش في كنتونات وتحرص كل طبقة أو فئة على تسييج محيطها وإنشاء جيل جديد خاضع لنفوذها ويرى العالم كما تعرفه وغير قابل للتجريب. لوحت بيدها وقالت اكتب أن مصر بانتظارها تجربة ديموقراطية وستضرب مثال للعالم وتنتظر التجرد من الجميع ووضع مصلحة الوطن نصب أعينهم، السياسيين والمواطنين على حد سواء. وختمت أنها تدافع أيضًا عن مصالح المجلة التي يجب أن تُرضي كل الكنتونات. لم أبالي بنبرة السخرية لأن اهتمامي في وسط الحديث اتجه لحنان. فتاة سمراء تبدو شديدة التناقض حين تجلس بجوار مدام راقية البيضاء القوقازية. شفتيها غليظتين وصدرها ناهد مرتفع مواجه لي ويبدو عليها الاهتمام بما أقول. لم أهتم بالتفكير في جدية قناعاتي مثلما حدث هذه الأيام. هذا النقاش – بداية – يبدو معزولاً عن أهمية أن يكون للإنسان قناعة ما، أقصد ثوابت أو أفكار غير قابلة للمراجعة والنقض، وبالطبع لك أن تظن ما تشاء. لكن الأشياء التي تضع حياتي على المحك، من حقي أن أراها مفهومة ومقبولة. والمشكلة أن الأفكار والأيدلوجيات لدينا تأخذ أبعادًا تعاظم أوهامها وتجعلها غير قابلة للنقد أو حتى النقاش فيما بعد. تأخذ طابع مجتمعي وتصبح سببًا للتقارب بين جماعات بشرية تكون هي الهدف نفسه لا الفكرة، بمرور الوقت يخفت الحس النقدي ويصير التسليم بالفكرة واجبًا بل ومعاداة من يفكر في تجاوزها. وعندئذ تنشأ شبكة المصالح العابرة للأيديولوجيات. كنت أحتضن وسطها بذراعي الأيمن وبيدي اليسرى أعتصر نهديها، لكن يبدو أني تعرقلت ففقدت تركيزي. شيء ما توقف عن العمل في الأسفل، وأنا محرج جدًا، وجل ما يدور في رأسي أفكار فلسفية. أحا. كانت مندمجة وانتبهت متأخرة لتعثري فرفعت رأسها وشدتني إلى الأريكة. مدت فخذيها على رجلي وابتسمت “يعني عمال تكلمني عن العلاقات المدنية العسكرية ولما جبتني البيت مش عارف تنط”. لنفكر سويًا أن المعرفة ليست نظريات نحفظها أو قواعد نعمل وفقًا لها، بل استعداد العقل لتقبل الأشياء البعيدة عن إدراكه أو استيعابه، مع الأخذ في الاعتبار أن ما أقوله رأي مجرد وليست له تجربة تدعمه؛ فأنا أتحدث من مياه ضحلة. وصلتنا حيث نجلس على الأريكة طرقات خفيفة على الباب، نهضت وعدلت البرا في موضعها وأشارت لي أن أجلس مكاني. فتحت الباب فاستيقظت. وفي فسحة بين الصحو والمنام أشعلت سيجارة. ربما كنت أجلس إلى جوارها على الأريكة نواصل حديثنا أو أني في السرير أحاول انتشال نفسي من وهدة النوم. كانت تداعب قضيبي بأطراف أصابع القدمين وكنت أفكر أني سأقوم وأحتضن وسطها وأعتصر ثدييها لكن تنتابني هواجس عميقة أن شيء في الأسفل لن يكون على ما يرام. أحسست فجأة بلسعة حادة في قضيبي وشعرت بالخجل من التصريح بهذا الألم المبهم في مكان غير معتاد. استيقظت فجأة فإذا السيجارة قد أكملت اشتعالها الذاتي بفعل مادة القطران حتى أحرقت ما بين أصبعيّ، ولم تكن في ذهني سوى صورة مدام راقية بعينيها الزرقاوتين ووجهها الممصوص وجسدها شديد النحول ويدها المعروقة فشعرت بالقرف.



بالمناسبة، معارضة الرئيس مجرَّمة دستوريًا !
February 8, 2013, 1:18 am
Filed under: Uncategorized | Tags: , , , , , ,

لم تعرف الدولة الإسلامية التاريخية – في ما أفرزته من أدبيات – آلية واضحة لانتخاب الحاكم بشكل مباشر من الرعية (الديمقراطية التمثيلية المتعارف عليها الآن)، بالتالي لم تُوضع آليات واضحة لمراقبته ومحاسبته إلا من خلال مجموعة “أهل الحل والعقد” الذين لم يذكر الفقهاء من يعينهم وكيف يُعينوا وكيف يُعزلوا!..

لن يذكر المشايخ لك هنا سوى بعض الأمثلة لعلماء مثل العز بن عبد السلام وأحمد بن حنبل وابن تيمية الذين وقفوا أمام الحاكم بمبادرات شخصية.. لكننا نتحدث عن آلية بدليل شرعي صحيح قاطع الدلالة كعقد واضح وصريح بين “الرعية” والحاكم، هل يوجد؟.

عرفت هذه الإشكالية بعض الاجتهادات، لكن خضوع الدولة لهيمنة الحكم العضود الذي دُشِن بعد انتهاء ولاية الخليفة الرابع – أو الخامس إذا حسبنا الحسن –، أطاح بهذه الاجتهادات وتجاهلها بزعم أن قائليها خوارج أو خارجين عن الإجماع.

لعل أفضل ما كُتب في هذه الإشكالية باجتهاد يراعي تغير الأحوال في العصر الحديث كتاب د. حاكم المطيري “الحرية أو الطوفان”، (كثير من الأصوليين انتقدوه بشدة!).

* * *

الإشكالية الأخرى الأصعب: متى يمكن الخروج على الحاكم؟

لديك أسباب عدة: الظلم والطغيان وغيرها من الشرور المطلقة، لكن ظلت هناك إمكانية للتجاوز عن كل هذه الشرور لو أظهر الحاكم الصلاح “ظاهريًا” ومكّن المسلمين من ممارسة طقوسهم الدينية علنًا ودون تضييق.

* * *

إذن، ينص دستور (2012) في مادته الثانية على أن “مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”.

ويفصل في المادة (219) أن “مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة”.

* * *

في فيديو منشور على يوتيوب لرجل دين محترف يُدعى محمود شعبان يحرّض فيه السلطة على قتل المعارضين وسفك دمائهم.

يعضد الشيخ فتواه – أو وجهة نظره – ببضع أحاديث صحيحة، أي واردة بأصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل “صحيح البخاري”.

بالتزامن خرج رجل دين آخر يُدعى أبو إسلام أحمد عبد الله بفيديو يشمت فيه ممن تعرضن للتحرش في ميدان التحرير ويصفهن بـ”الصليبيات والأرامل”، (هل كان هذا تبرير لجريمة التحرش بهن مثلاً؟).

* * *

نظريًا، لم يخالف الشيخ محمود شعبان الدين، بل جاء بأحاديث صحيحة أيدت فتواه.

لم يخالف أيضًا أحكام السياسة الشرعية، فمرسي حاكم، وله علينا السمع والطاعة، فتراث الشيخ لا يعرف “المعارضة” إلا خروجًا، وليس بمستبعد أنه اعتبر نفسه من “أهل الحل والعقد” الموكول إليهم – حصرًا – اختيار الخليفة ومراقبته كما تنص أدبيات الحكم في الإسلام، (أليس هذا كهنوت؟).

والآن، إذا كان الدستور هو المهيمن على القانون، والقانون مستمد من نصوص الدستور الذي ينص على أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع بأدلتها، إذن بالتالي لا يجب أن يبيح لك القانون في مثل هذه الحالة محاكمة شخص على استخدامه دليل شرعي وإصدار فتوى شرعية لم تخالف الشريعة، لا استدلالاً ولا إسقاطًا.. ولا إيه؟..

الدليل موجود وصحيح، والواقع أيضًا مطابق لمقتضى الفتوى.

* * *

أما الشيخ الثاني أبو إسلام، الذي وصف المتحرش بهن – وغيرهن من المتظاهرات – بأنهن متهتكات وصليبيات، فهو أيضًا غير مجرم بنص الدستور الإسلامي؛ فالراجح حسب جمهور العلماء في كتب الفقه أن سب غير المسلمة لا يوجب الحد أصلاً!.. (راجع فقه السنة للشيخ سيد سابق).

* * *

ملحوظة أخيرة: ما سبق هو محاولة للتفكير في مآلات تطبيق الشريعة – ولو بشكل جزئي – دون تحرير كثير من المفاهيم تبعًا لتغيرات الزمان.

morsi