تجريب


بمناسبة الكتابة

I

سُئلت مرة وأنا صغير ماذا تريد أن تكون؟، قلتُ: أريد أن أكون كاتباً. والآن وأنا في منتصف العمر لو سُئلت ماذا أنجزت؟ لقلتُ باعتذار شديد: أريد أن أبدأ من جديد. ولربما تمنيتُ البداية من جديد ليس للسير في طريق آخر بل لاختيار الطريق ذاته لكنْ بتعديلات طفيفة يفرضها عليَّ المرض ويعول عليها في بلوغ كمال هو عربون ضمان قبل أي بداية. أنطق كلمة بصوت مسموع منَّ المفترض أن تكون رداً على كلمات لكِ سابقة ولاحقة. كلمة واحدة أنطقها وأنا مغمور في أعمال منزلية. الكلمة جامعة مانعة تصلح للرد على كل كلماتِك، إذ سيكون من الجنون أن أنطق أكثر من كلمة على مسمع من الصمت. لم أكن أتخيل وأنا صغير أنني سأقعُ في كل كليشيَّهات الكاتب التي قرأتُ عنها بشغفٍ وتمنيتها بسذاجة وكأنها تمثل لي تذكرة دخول وجرن معمودية الأدب. الوحدة، الخوف، السوداوية، النفور الشديد من المسؤولية، المرض، التفكير في الموت، الإخفاق في الحياة، الولع بالحب والفشل، قائمة طويلة تعود دائماً بتوزيع مختلف، نوتة واحدة، وسولوهات عديدة. والسؤال المعذِّب والمُدوِّخ للروح. هل كان هذا الوقوع حتمياً ولا مفر منه؟ وإذا كان، هل هذه ضمانة يمكن الوثوق بها للوصول إلى فنيَّة التعبير؟ وهل تلك الفنيَّة مرتبطة بصدق الكليشيهات نفسها ومدى الانغماس فيها؟ وهل هذا الانغماس حُجة على فنيَّة التعبير؟ أليس هناك كثيرون مروا بمرض “نيتشه” لكنهم لم يُعبروا مثله؟ ألا يصح كما يقول “نيتشه” بأنه من داخل المرض يأتي التعبير عن عنفوان الصحة البدنية والعقلية؟ ولكنْ ألا يهدم كتاب “نيتشه” (هذا هو الإنسان) مقولته عن الصحة التي تشدق بها؟ وأين نضع البارانويا المخيفة في هذا الكتاب موضع الصحة؟ السؤال لا ينتهي والجواب مُحال(1).

II

لو أن كل ما أكتبه له نفس قيمة ما أنتقيه في القراءة، لكانت كتابتي في الأوج. أستطيع الحكم على كتاب ما من حيث القيمة، لكنني أندهش عندما لا أستطيع الحكم على ما أكتبه، بل الأدق أنني لا أملك في الحالة الثانية ملكة الحكم. ليس لأنني أخاف على ما أكتبه، بل بالتحدِّيد لأن ملكة الحكم تهرب مني في نفس اللحظة، فتكون الحاجة ماسة إلى آخر يحدِّد نيابة عني القيمة، وإن كنت لا أثق كثيراً في تحديده. إنني أعرف ما أحبه في الكتابة، لكنني لا أستطيع إنتاجه عندما أكتب. كأنه حب مجرد من غير محبوب. ذات من غير موضوع تتجه إليه. ذات تنظر في مرآة ترد لها صورتها، لكنها تشك في هذه الصورة، وهي أيضاً تثق بشدة في أصلها(2).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصطفى ذكري – “الرسائل” – طـ الأولى – ميريت 2006 – ص14

(2) مصطفى ذكري – “لمسة من عالم غريب”– طـ الأولى – شرقيات 2000 – ص27

Advertisements

Leave a Comment so far
Leave a comment



Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s



%d bloggers like this: