تجريب


سأم

مصطفى ذكري

. . . .

حدث ويحدث، أنني قطعتُ، وما زلتُ أقطع، في التسلية أشواطاً بعيدة، بإخلاص واصفرار وذهول، كما لو كنتُ في معركة مُباشِرة مع الوقت، ليس لأنه ثمين، ولا يُعوَّض، بل فقط لمجرد وجوده، وإحساسي الطاغي بثقله، إنها معركة تستهدف قتله، وعلى الرغم من أن المعارك تسمح بجميع الأسلحة، الشرعي منها وغير الشرعي، إلا أن حالتي تبقى فيها التسلية دون تنوِّع، دون انحراف، تسلية تقليدية عادية، يمنعني الحياء عن ذكر فصولها الرتيبة، وإذا كان هناك فخر ما، فليس سوى الثبات المُتَخشِّب الهش المعرَّض لانكسار مُهين دون أسباب واضحة، أمام الأيام والساعات والدقائق، ومع أنه يُحْسَب في النهاية ثباتاً، إلا أنه لا يستدعي الفخر، كما أن العمل في مجال الأدب لا يستدعي الفخر. قلتها أخيراً: أعمل في مجال الأدب. وكانت الأسباب التي جعلتْ أبناء مهنتي يرضون عن مهنتهم، وعن أنفسهم، هي نفسها الأسباب التي جعلتني في نفور من مهنتي أولاً، ومن نفسي ثانياً، ومنهم ثالثاً، وعلى هذا تركتُ لهم جيفة الأعمال الروائية المُطابِقة للمواصفات، وحفلات التوقيع، واصطياد ما هو اجتماعي أو سياسي أو تاريخي، ونجاحات البيست سيللر، وبؤس توجههم لكتلة دهماء لها اليد الطولى في تشكيل الذوق الفني، وفي وضع الكاتب على خازوق الشهرة. إذا كانت الكتابة لديهم تستدعي الاستراتيجيات، فقد جعلتها لدي تستدعي حروب العصابات، لا للأعمال المُتوازنة التي تتجاوز المئتي صفحة، لا للبطاقات الدرامية الخاصة بالشخصيات، لا للبحوث التاريخية، والتأريخات المكانية، فقط حروب الحرف والجملة والكلمة والأسلوب، حروب عدم الاكتمال والنقصان، نحو أدب قاصر، أدب الفقرات والشذرات، وليستْ هذه استراتيجية مُضادة، بل إنني بريء منها بعد قولها، مُتنصِّل من الدفاع عنها، هي حجر يحلو لي رميه بوتري نِبْلة من عروق جلد الجلوكوز الطبي الملوَّث برائحة الموت وراء مستشفى المستعصية في سبعينيات القرن الماضي، نِبْلة خراطيم، طول الوترين عشرة سنتيمترات، وهي تشتد عند التصويب بطول ذراع، تشتد من سبعينيات طفولتي في القرن الماضي إلى الآن، رمية على نوافذ الأدب المُضاءة في بهمة الليل، نوافذ الأدب الكبير، الأدب الصالح، أدب المنتخبات المُختَصَرة لطلبة المرحلة الثانوية، شكسبير، نجيب محفوظ، عائلة برونتي، والحجر أعمى، ونظرة أصحاب النوافذ، مين إللي حدف الطوبة، ديلي في أسناني على قارعة الطريق، على طول الطريق، حافي القدمين، حافي القدمين في حقل أحلام. عند نقطة مرور، تحقيق، إنت إللي حدفت الطوبة، ربما هي رمية من غير رام. قلت: اتركوا لي الجيفة، شرط أن تتركوها جميعاً، فأنا لدي شهية ضبع مُشرَّد لا يحب الشَرَاكة، واحملوا نيابة عني صليب الأفانجارد والإندبندت.

 . . . .


Leave a Comment so far
Leave a comment



Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s



%d bloggers like this: