تجريب


دستور المفاهيم المبهمة والتكريس للسلطوية

ملاحظات على مسودة الدستور المصري

د. شريف يونس *

دا ردي على الباب الأول بتاع مقومات الدولة وتعليق عام على مشروع الدستور:

إجمالا بنية مشروع الدستور كالآتي: حريات واسعة للمواطنين في باب الحريات، مع تحفظات. لكن أهم شيء هو تحديد مين هما المواطنين فعلا، باستثناء حق الاقتراع العام.

حصة التربية الفنية بمدرسة عنيبة فى النوبة القديمة

باب مقومات الدولة الأولاني يحدد المواطنين فعليا بأنهم هؤلاء الذين يتوافقون مع هوية معطاة سلفا. إسلامية أساسا، ووطنية تاليا. وبس.وحتى هؤلاء تهيمن الدولة على تصوراتهم ومواقفهم وعقائدهم وتعمل على ترسيخها وعلى توسيع صفوفهم وتنميطهم. المستبعدون هم بالأساس النساء، والمفهوم الأساسي المستبعد هو الإبداع والتمرد، بما في ذلك الثورة التي تم تسكينها في الحفاظ على كرامة المواطن وتعويضات الشهداء. الناس دي مش عبيطة

ولا بتستعبط دول بيشفطوا من زير طويل عريض وقديم يتصور إن الدولة تربي الشعب عشان يتفق مع هوية مفترضة له.. وإن دي هي الوطنية… وهي الحرية. وهو مفهوم في النهاية ناصري- إخواني- مصر فتاتي. الحريات تم تحديدها إلى درجة حبسها في قمقم مسبقا قبل بدء باب الحريات.

 الفكرة الهوياتية الخاصة بهوية مسبقة للدولة هي جذر الدولة القمعية. وهي فكرة متناقضة.. تتكلم عن هوية ما (إسلامية/ مصرية، إلخ) قائمة بالفعل، ومع ذلك تُعامل فعلا كمشروع يجب فرضه وحمايته باعتباره خارجا عن “هوية”، اي “طبيعة” الشعب المعني، لأنه معرض “للتشويه”، “للتأثير الخارجي”، إلخ، بما يفضي في النهاية إلى تقسيم الشعب إلى “شعب أصلي” مفترض فيه “هوياتيته” “الأصيلة”، و”خوارج”، “خونة”، “عملاء”، “متغربون”، “دخلاء على الأمة”، إلخ. والدولة بما لها من أجهزة قمعية ودعائية وتنظيمية عليها أن تعلم الناس هويتهم، المفترض فيها أصلا أنها أصيلة.. وبالتالي يكون قمعها للحرية والتعدد هو نفسه صميم الحرية. إلى المواد إذن.

 تعليق على بعض مواد مقومات الدولة:

مقال للشاب جمال عبد الناصر بعنوان “فولتير رجل الحرية” كتبه إبان دراسته

مادة 1:جمهورية مصر العربية دولة موحدة ذات سيادة لا تقبل التجزئة ونظامها ديمقراطي يعتمد على مبادئ الشورى والتعددية والمواطنة التي تسوي بين كل مواطنيها في الحقوق والواجبات، والشعب المصري جزء من الأمة العربية والإسلامية، ويتمسك بانتمائه إلى حوض النيل والقارة الأفريقية والامتداد الآسيوي.

تعليق: مبادئ الشورى مفهوم غامض واعتماد الديمقراطية على الشورى الغامضة حتى فقهيا يفتح الباب أمام قيود على الديمقراطية. وفي ضوء تركيبة اللجنة ربما يكون هذا مقصودا لذاته.

 مادة 5: السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية على الوجه المبين في الدستور.

ملحوظة: يقترح البعض: (السيادة لله وحده، وقد وضعها الله في الأمة فهي تمارسها، والشعب مصدر السلطات)

تعليق: النص الذي يقترحه البعض يعبر في الواقع عن الروح العامة لهذه المسودة لباب المقومات الأساسية للدولة، وهي: ولاية الدولة على الخالق، وتنازلها باسم الشعب عن “السيادة” له، ليصبح لهذه السيادة المفترض أنها متعالية من الناحية الدينية حيزا جغرافيا بريا وبحريا، ويصبح له “شعب” يمارس عليه السيادة. وهو خطوة هائلة نحو علمنة الدين وتديين الدولة.

ومفاد ذلك في التطبيق هو النص الذي يتردد أنه سيُفرض في المسودة عن مرجعية الأزهر ليصيح ساحة صراع التيارات الإسلامية باعتبار الهيمنة عليه باب الهيمنة على المجتمع، لتقام الدولة الدينية على أساس دين معلمن. وهي بنقلها السياسة خارج مجال ما هو محسوس وما هو أبعد عن السيطرة، لأنه لا يُتصور دخول الله طرفا في نزاع دستوري، تخلق أساس دولة فاشستية.

والمشكلة ليست في النص المقترح إلا بقدر ما أنه يُجمل ما تردد في مواد كثيرة من هذا الباب، ليضعه في صورة صريحة. البنية الحالية لمشروع الدستور تسير بالفعل في هذا الاتجاه. وما النص إلا تتويج.

قرار مجلس قيادة الثورة بحل جماعة الإخوان المسلمون

مادة 9 مستحدثة: الذات الإلهية مصونة يحظر المساس أو التعريض بها، وكذا ذوات أنبياء الله ورسلة جميعا، وكذلك أمهات المؤمنين، والخلفاء الراشدين.

ملاحظة : تمت الموافقة على إبقاء المادة كما هي وعدم إلغائها.

تعليق: لا يجوز أن تكون الدولة قيما على الذات الإلهية، أيا كان الدين الذي يتكلم عنها. وحماية الأنبياء والرسل إلى آخره تفترض أن الدولة إسلامية سنية، لا دولة تقوم على المواطنة. وهذا يعني ببساطة دولة دينية إسلامية سُنية تحديدا. وهو ما يقوض تماما مفهوم المواطنة والمساواة المذكورة أعلاه. النص يكشف عن رغبة مجموعة اللجنة في الالتفاف حول مبدأ المواطنة وحرية الرأي. القصائد والأدب يستعملان أحيانا بعض هذه الشخصيات وحتى الذات الإلهية بشكل مجازي. وإمكانية ملاحقة البشر بهذه المادة عن طريق القوانين المطبقة لها سيكون كبيرا ومفزعا.

مادة 12: الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية. وعلى الدولة والمجتمع الحفاظ على هويتها الدينية والأخلاقية والقيمية، وأن تعمل على تماسكها واستقرارها وحمايتها.

تعليق: إن هيمنة الدولة على هوية الأسرة تعد تدخلا يصل إلى حد الفاشية في الحياة الخاصة. ويفتح باب المنازعات السياسية على استعمال آلة الدولة في تحديد مضمون هذه الهوية وفرضه. وقيم الأسرة وأخلاقها مسألة نسبية ومتغيرة تماما ولا يُتصور أن يكون ثمة نموذج مسبق لها إلا في إطار نازي أو فاشي. الأسرة المصرية تقبل سفر بناتها في الخارج للعمل والدراسة، عند قطاعات معينة، ولا تقبله أسر أخرى، ولم يكن متصورا عند الأغلبية قبل بضعة عقود. الأخلاق ومفهوم الدين نفسه متغير وتاريخي. فكرة هوية الدولة في حد ذاتها إشكالية.

مادة 14: تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها في المجتمع، ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية.

الآباء المؤسسون للديكتاتوريات العربية

تعليق: لقد سبق أن تم استبعاد “أحكام الشريعة” من المادة الثانية. وعودتها هنا فيما يتعلق بالمرأة تحديدا خطير في تهديده لمبدأ المساواة. فالشريعة تبيح زواج الأطفال على سبيل المثال، وممارسة أشكال شاذة من الجنس معها، مثل الفتوى التالية الصادرة من مركز الفتوى: “لا ضرر في الإنزال بين فخذي الصغيرة التي لا تطيق الجماع، وتتضرر به إذا كان ذلك الإنزال بدون إيلاج”. فالشريعة مكتوبة في العصور الوسطى.. وسيحتاج إصلاحها من شوائب هذه العصور عقودا وربما قرون. ولا يجوز أن تكون النساء ضحية لهذه الأوضاع، فضلا عن أنه من المستبعد تماما أن يحدث أي استقرار في إطار “أحكام الشريعة”.

مادة 15: تلتزم الدولة والمجتمع برعاية الأخلاق وحمايتها، والتمكين للتقاليد المصرية الأصلية، والمستوى الرفيع للتربية الدينية والوطنية والقيم الخلقية، والتراث التاريخي والحضاري للشعب، والآداب العامة والثقافة العربية وصيانة الآثار والمحميات الطبيعية وذلك في حدود القانون والنظام العام. وتلتزم الدولة بإتباع هذه المبادئ والتمكين لها.

تعليق: الدستور في هذه المادة يبلور الفكرة الضمنية حول وجود هوية ما ثابتة وأصلية للبلاد وسكانها، إسلامية أساسا. بصرف النظر عن كونها إسلامية أم عربية أم مصرية، فإن النص عليها في الدستور يعني أن يكون من البداية دستورا سلطويا، لأنه ينيط بالدولة أن تحدد وترعى الأخلاق والتقاليد والقيم والتراث والآداب، إلخ. وهو تصور خيالي نظرا لاختلاف معنى هذه العبارات في مختلف مناطق البلاد وطبقاتها وثقافاتها المتعددة. وتؤدي فعليا إلى قيام نوع من “شرطة أخلاقية” أيا كان مسماها، سواء جماعة أمر بالمعروف أو الشرطة العادية أو مواطنين متطوعين بإرهاب المواطنين وفقا للتصور الرسمي أو غير الرسمي عن القيم والأخلاق إلخ.

 بصفة عامة الدستور يتصور أن الدولة أعلى من سكانها، فيُسكن فيها محتوى أخلاقي وقيمى، إلى آخره، منسوب لجهة أرفع، المعبر الحقيقي عنه هو السيادة لله، الذي لم يتم إقراره حتى الآن. والدولة التي تعبر عن الأمة لا تعبر عن إرادة شعبها، وإنما تعبر عن كيان سرمدي عابر للحاضر وممتد للماضي ويسعى للتواجد في المستقبل مستعملا السكان باعتبارهم تجسيدات قيمه. وهذه هي بالضبط أسس الفاشية والنازية. ولا يجوز الاحتجاج هنا بأنه لا توجد تفرقة عنصرية. فالكلام هو في مبدأ تصور الدولة نفسه. لا المحتوى الخاص هذا أو ذاك لها.

 

أحد جنود الجيش المصري يقوم بمهاجمة أحد المتظاهرين وفي الخلفية مشروع لتطوير فندق النيل التابع للشركة المصرية القابضة للفنادق

مادة 21: التعليم حق وواجب تكفله الدولة لكل مواطن، وتوفر له الموارد الكافية وتضمن جودتة وتضمن جودتة وتطويرة بما يلبى حاجات المجتمع ويخدم خطط التنمية، ويقوى روح الانتماء الديني والوطني، وترعى الدولة التعليم الفني وتعمل على تطويره.

تعليق: لا يجوز للدولة أن تفرض من خلال التعليم تقوية روح الانتماء.. لأنها تفرض نفسها، مرة أخرى، قيّمَة على الأفراد وانتماءهم.

الانتماء يتحقق بمجرد وجود الدولة الوطنية ونجاتها من كونها دولة فاشلة. لا من خلال فرض “روح” معينة أيا كانت، ولو كانت روح الخير والحق والجمال ذاته كقيم سرمدية عليا. فضلا عن أن تنمية روح الانتماء الديني كواجب على الدولة باب للطائفية. بينما تنمية الروح الوطنية كواجب على الدولة باب للتعصب الوطني وكراهية الأجانب. وفي الحالتين هذا هو مدخل إغلاق أفق التعليم وتحديده في أطر ضيقة الأفق.

مادة 23: تشرف الدولة على التعليم بكل أنواعه وفى جميع مراحلة، وتلتزم جميع المؤسسات التعليمية العامة والخاصة والأهلية بخطة الدولة التعليمية وأهدافها.

تعليق: على الدولة أن تشرف على التعليم من حيث هي تشرف على الحياة الاجتماعية عموما بما يحفظ حقوق الأفراد، فتمنع تدريس مواد تحض على الكراهية والتعصب مثلا. لكن فكرة التزام جميع المؤسسات بخطة الدولة التعليمية يعني منع المبادرات التعليمية من أسفل وإغلاق باب الاجتهاد والإبداع في التربية وربطه بموافقة جهات حكومية. وهو فضلا عن ذلك مستحيل، إذا نظرنا إلى واقع التعليم الديني التطوعي المنتشر في الجوامع وغيرها، وهو لا يخضع لأي سلطة عمليا. وليس من المنتظر أن يخضع. وبالتالي المادة تهتم أساسا بتقييد التعليم العام والتثقيف خارج المؤسسات التطوعية الدينية، والرسمية أيضا.

يتعرض سكان النوبة للاضطهاد الثقافي والعرقي وتُمنع لغتهم من التدريس

مادة 24: التربية الدينية واللغة العربية مادتان أساسيتان فى مناهج التعليم بجميع أنواعه ومراحلة. وتعمل الدولة على تعريب العلوم والمعارف تمهيداٌ لتعريب التعليم في كل مراحلة، وتلتزم الجامعات بتدريس القيم والأخلاق اللازمة للتخصصات المختلفة.

تعليق: إن محاولة إدخال الوعظ الأخلاقي في الجامعة بشكل إجباري ناجم عن رغبة في إحاطة المواطن في كل مكان بقيم وأخلاق رسمية يتم الترويج لها بالأموال العامة للشعب لتسويته بوابور زلط ثقيل وفرض تجانس من نوع معين. أما تعريب العلوم فقد حدث مثلا في الطب في سوريا لينحدر بسرعة الصاروخ إلى القاع. التعريب يتطلب أصلا أن تكون المشاركات العربية في العلم بارزة في العالم. وحتى في ألمانيا الأساتذة كثيرا ما يكتبون أبحاثهم بالإنجليزية، لأن ذلك هو الذي يتيح لهم التواصل مع المجتمع العلمي العالمي.

مادة 27: تكفل الدولة والمجتمع استقلال الجامعات ومراكز البحث العلمي، وضمان حرية البحث المسئولة، وتعمل على تطويرها وتوفير الموارد الكافية لها، والربط بين برامجها التعليمية والبحثية وبين حاجات المجتمع والإنتاج. وتسعى الدولة لتخصيص نسبة كافية من الناتج القومى للبحث العلمى وفقاُ للمعايير العالمية يحددها القانون. وتنشىء الدولة مجلساٌ قومياٌ يرعى شئون التعليم ويشرف على تنفيذ خطته ويتابع أداء مؤسساته، ويحدد القانون تكوين هذا المجلس واختصاصاته.

 تعليق: حذف كلمة “المسئولة”. مسئولة أمام ماذا ومن وكيف؟ المجتمع العلمي يحدد الأبحاث الأكثر قيمة وأهمية والنافلة وغير المهمة من خلال تفاعلاته الداخلية ووفقا لتطورات العلم نفسه. أما الأبحاث الضارة، التي تستخدم البشر مثلا في التجارب أو تضر بالبيئة أو غير ذلك فتمنعها القوانين العامة. وضع الكلمة في الدستور لا معنى له سوى الكشف عن الرغبة الملحة في الهيمنة على كل مفاصل المجتمع من أعلى، لصالح تصورات في أذهان الكتل الأكبر في اللجنة.

 مادة 28: تنهض الدولة بالعلوم والفنون والآداب وترعى المبدعين والمخترعين وتحمى إبداعاتهم وابتكاراتهم وتعمل على تطبيقها لمصلحة المجتمع.

لماذا تسعى الدولة لفرض مظلة ما على الإبداع وتحاول تأطيره؟

تعليق: أغفل النص عمدا المسألة الأساسية، وهي أن الدولة بما هي جهاز سلطة عليها أن تحمي حرية الإبداع والاختراع. وتحمي الملكية الفكرية. أما رعايتها فنافلة أو إضافية. ويجب أن تكون هذه “الرعاية” أيضا محدودة لكي لا تهيمن الدولة بالمال على الإبداع. هذه العبارات التي تبدو جميلة هي في النهاية ابنة مشروع سلطوي لا غير.

 مادة 30: ينظم الاقتصاد القومى وفقاٌ لخطة تنمية شاملة تكفل زيادة الدخل القومي، وعدالة التوزيع، ورفع مستوى المعيشة، والقضاء على البطالة، وزيادة فرص العمل، وربط الأجر بالإنتاج، وضمان حد أدنى للأجور يضمن حد الكفاية لحياة كريمة، ووضع حد أعلى يكفل تقريب الفروق بين الدخول، والمشاركة بين رأس المال والعمل في تحمل تكاليف التنمية واقتسام عوائدها.

 تعليق: من المفهوم إن تدخل الدولة في الاقتصاد من طبيعة الوضع الراهن. لكن أن يأخذ هذا التدخل شكل “خطة تنمية شاملة”، فهذا يعني فتح باب التدخل بلا أفق ولا حدود، والكلام عن “المشاركة بين رأس المال والعمل” إلخ، يعني قوامة الدولة على كل من المستثمرين والنقابات.

مادة 35: تخضع الملكية لرقابة الشعب وتحميها الدولة، وهى أربعة أنواع: الملكية العامة، والملكية التعاونية، والملكية الخاصة، والوقف.

تعليق: الوقف هو عبارة عن حبس مال عن التداول لصالح غرض ما. وهو في المجتمع الحديث مضر بالاقتصاد. وقد حل محله في العالم نظام إيداع مبالغ في البنوك لصالح مشروعات أو جوائز أو جامعات، إلخ. وبالتالي يتم تدوير هذا المال. الوقف كان بغرض حماية مصالح ورثة أو منع تعدي السلطان، أو وفقا لمبدأ تخصيص الميزانية الذي كان معمولا به بالضرورة في القرون الوسطى.

 مادة 38: الملكية الخاصة تتمثل في ملكية الأشخاص الطبيعية والقانونية، وينظم القانون أداء وظيفتها الاجتماعية فى خدمة الاقتصاد القومى وفى إطار خطة التنمية، دون انحراف أو استغلال أو احتكار، ولا يجوز أن تتعارض فى طرق استخدامها مع الخير العام للشعب. والملكية الخاصة مصونة، لا يجوز فرض الحراسة عليها إلا في الأحوال المبينة في القانون وبحكم قضائي، ولا تنزع الملكية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يدفع مقدماٌ وفقاٌ للقانون، وحق الإرث فيها مكفول.

تعليق: هذه صيغة ناصرية بمقتضاها تكون الدولة لها القوامة من خلال ما يسمى “خطة التنمية”، التي كانت دوما عنوانا فضفاضا، على الاستثمار. فكرة الوظيفة الاجتماعية متسقة مع مجمل التوجه السلطوي في هذا الباب. حيث الدولة “قوامة” على الشعب بموجب هذا الدستور. ومن ضمن ذلك قوامتها على الاستثمار الخاص.

مادة 44 مستحدثة: تلتزم الدولة بإحياء نظام الوقف الخيرى وتشجيعه، وينظم القانون الأوقاف ويحدد طريقة إنشاء الوقف وإدارة الموجودات الموقوفة، واستثمارها وتوزيع عوائدها على مستحقيها وفقاٌ لشروط الواقفين.

تعليق: هذه المادة تتعلق بحبس مال عن التداول.. وقفه. وإيكال إدارة الوقف إلى جهات كانت تاريخيا مصدر فساد، وعنوان هيمنة قطاعات من رجال الدين. وهي في الحقيقة تريد أن تعيد من باب التذكر مؤسسة حلت محلها في أداء وظائفها جهات أخرى، سواء الجمعيات الخيرية أو الهبات التي توضع في البنوك لرعاية نشاط معين.

جمال عبد الناصر في جلسة ودية مع بعض قادة الإخوان المسلمين بينهم المرشد حسن الهضيبي الذي سعى عبد الناصر لإعدامه فيما بعد؛ من منهم يعتبر الآخر رمزًا وطنيًا؟

مادة 46 مستحدثة: الرموز الوطنية المعنوية واجبة التوقير والاحترام، ويحظر ازدرائها وفقاٌ للقانون.

تعليق: لا يجوز تحصين أي شىء يسمى رموزا وطنية. بما فيها علم البلاد. الرموز تكون وطنية بقدر ما تحظى بإجماع، أو بأغلبية تزدري هي من يزدري هذه “الرموز” المجهولة. ووقتما ينحي المجتمع رمزا ما فإن الإرادة الشعبية لا يجوز أن يوقفها دستور أو قانون ويفرض عليها توقير ما لا توقره.

الدستور بأكمله سلطوي إلى النهاية. وفي ضوء كل ما ذُكر في هذا الباب فإن باب الحريات يصبح كأن لم يكن. لأن كل الحريات، بما فيها تلك التي لم يُنص على تنظيمها بقانون، تكون في إطار كل القيود الواردة في هذا الباب. باختصار. الدولة ليس لها هوية، ولا رموز ولا مقدسات إلا بقدر ما ترتضيها نسبة من الشعب، وفي حدود هذه النسبة. والأبداع، مدخل كل تقدم، يقوم تحديدا على تحدي الهويات و”الرموزات” وكل ما اعتبره جيل سابق مسلما به. دستور يؤسف له ولا علاقة له بالحرية ولا بالديمقراطية إلا كلاما.

مادة 47 مستحدثة: تعمل الدولة والمجتمع على حماية الوحدة الثقافية والحضارية واللغوية للمجتمع المصري.

تعليق: وحدة المجتمع تتحقق وتنبني تاريخيا بجهود أبنائه. وافتراض أن هناك وحدة ثقافية وحضارية ولغوية مسبقة قاتل لكل إبداع. والإبداع هو تمرد على الموروث تحديدا. وهو باب الدولة السلطوية لقيادة المجال العام بعصا القمع. وكل باب الحريات التالي يصبح نافلا بعد إقرار أشياء من هذا القبيل بوصفها “مقومات الدولة”، المحددة دستوريا سلفا فوق الأفراد وإرادتهم.أيضا التعددية والتنوع والصراع هي أساس الثقافة والحضارة، لا الوحدة والتراص واليد الواحدة.. هذا قتل للثقافة والحضارة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. شريف يونس، مدرس جامعي للتاريخ الحديث والمعاصر. كاتب سياسي وعضو مؤسس بهيئة تحرير “البوصلة: صوت ديمقراطي جذري” 2005 – 2011 ، مترجم ومهتم بالتاريخ والفكر السياسي والأيديولويجا. تشمل كتبه: “سيد قطب والأصولية الإسلامية” (1995).. “سؤال الهوية: الهوية وسلطة المثقف في عصر ما بعد الحداثة” (1999). “استقلال القضاء” (2007). “نداء الشعب: تاريخ نقدي لللأيديولوجيا الناصرية” (2011)، والأخير هو ثمرة مسار الكاتب كمؤرخ للأيديولوجيا وباحث متخصص في الحقبة الناصرية وما أفرزته من نظام وشرعية جديدة.

Advertisements

Leave a Comment so far
Leave a comment



Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s



%d bloggers like this: