تجريب


يوميات
June 7, 2009, 11:57 am
Filed under: Uncategorized

-1-

استيقظت بطعم القبلة دافئًا في فمي.

جذبت “مايسة” في غرفة ضيقة والتهمت شفتيها ويدي تعبث بالأسفل في خضم مقاومة جادة منها.

خرجت هاربة أمامي. فوجئنا بـ”ونيس” يواجهنا بشعره ثائر وقد استيقظ توًا من نومه، يرمقنا بنظرات شك قاتلة، ضربتني “مايسة” في كتفي ممازحة لتبرر مشهد ركضها مني فضحكنا بارتباك عظيم.

حدث إظلام مفاجئ لأجد ونيس على المنضدة في زي المصارع ستينج يقف على رأس مايسة الممدة باستسلام تبتسم لكيانه الشاهق في الأعلى ببله. سقط فجأة بركبته على رأسها فصرخت بفزع. في حركات سريعة كان قد كومها وجلس بين فخذها يمسك مسمارًا كبيرًا يستعد لدقه في فرجها، قفزت لأضرب يده فطار المسمار وسقط في يدي، نهض مسرعًا ولوح بقبضة قوية تفاديتها فأكملت دائرة شبه مغلقة في الهواء لأمسك بيده أعرقله فنسقط سويًا، كانت رأسه عند قدمي فلطمته بالمشط فارتطمت رأسه بالحائط وارتدت في ضربة لا شك آلمت أنفه بشدة، نهضت جاريًا وطوحت بالمسمار في الخارج.. جرت مايسة أمامي وجثت تبحث في الإضاءة الخافتة، ثم رفعت رأسها بفرح وقالت وسط بكائها “المسمار يا ونيس.. لقيت المسمار يا حبيبي”.

-2-

في البرتقالة الآلية، يتردد أليكس في احتساء النبيذ، بفعل الخوف الغريزي، ذلك الخوف الذي يتواطأ الطرفان لا إراديًا ما بين كتمانه والإفصاح عنه، وحين يرفع الكاتب العجوز المُقعد ذراعه ليشجعه، بنظرة بغض هائلة، يظهر بوضوح تقرح المعطف أسفل الرسغ في ذلك الجزء الباهت من ثوبه، نتيجة استناد الذراع قرابة عامين إلى مسند عجلة الكسحاء.

-3-

منذ قرابة خمس سنوات، لم تتعد لقاءاتي بأخي الساعة في كل مرة، وفي كل زيارة متبادلة فيما بيننا، كنت أرى جزءًا جديدًا أُضيف أو انتزع من ملامحه، حتى غدا تدريجيًا من الصعب عليّ التعرف إليه، ورغم قدرتي المحدودة على الرسم، فشلت مرارًا في تذكر ملمح واحد يمكن التقاطه لتمييزه به. الأمر بالنسبة لأختي كان مختلف، حيث رغم أن لقاءاتنا كانت أقصر كثيرًا، نظرًا لزواجها،  إلا أنها ظلت محافظة حتى الآن على ضحكة تميزها كلما رأتني تضحكها في وجهي بلا معنى.

-4-

جاءت وكانت تشبه إحداهن لحد كبير، وقامت بكل شيء وكنت أختلس لها نظرات سريعة، تلك النظرات التي تترك في الذاكرة ما يشبه الشعور بالذنب كلما رأيتها في أشكال أكثر جدية، كأنما لا تمت لتلك التي كانت تعري أردافها بصلة.

8:05

أمسكت زجاجة الماء التي كانت في الأصل زجاجة فيروز سعة لتر خضراء شفافة في اللحظة التي طرأ لي أن وسائل القتل متوفرة في كل مكان تذكر الهلع الخفي الذي يراودك حين تمر بجوار سور حديدي تنتصب أسياخه الحديدية الحادة في الهواء ولا تكف عن تخيل نفسك تسقط فوقها لتخترق بطنك غائصة عبر تجمع الأحشاء اللزجة ومحطمة عظم الصدر لتنفلت عبره بقوة خارجة من ظهرك ماذا لو أجلسوك فوقه؟ رجلين عريضين يرفعانك من تحت إبطك ويلقيانك بحركة قصيرة دقيقة فوق السيخ المنتصب مباشرة بشيء من انطلاق الخيال كنت أراني أمد فمي لأشرب من عنق الزجاجة النحيل فيأتي أحدهم من الخلف ليضرب مؤخرة رأسي بقوة الخيال ذاته جعلني أتردد في الدخول إلى البانيو خشية الغرق ثم دخول الحمام نفسه خشية الانزلاق فوق الصابونة والارتطام بحافة البانيو فالموت بنزيف دماغي هناك أيضًا ذلك الخوف الغريزي من السكين اللامع والسلوك العارية وحواف النوافذ المعدنية الحادة والأثاث الضخم المائل قليلاً والنجفة غير المثبتة جيدًا والسلمة المكسورة والأماكن المرتفعة عن الأرض قليلاً ارتفاع خادع يوهم بسهولة تجاوزه تمامًا كما يضمر الاحتمال بالتعرقل والسقوط والتواء الساق وأعمدة الكهرباء المعدنية في الأيام الممطرة والطرق المزدحمة ذات الاتجاهين والقطارات المسرعة وتحديدًا العربة الأخيرة المفتوحة على القضبان والنسوة الدميمات ذوات النظرات الزائغة والكلاب الصامتة المتحفزة والقطط الوديعة والفئران المهرولة وسن الحقنة الحاد المشطوف وتشكيلة الفوبيات بسلاطتها ببابا غنوجها يا إلهي من أين يأتي الناس بهذه الرغبة الجامحة في الحياة؟.

01:10

بعد الظهر رن الهاتف وسمعت صوت زوزو “إزيك يا بيه؟” تقول بمرح يشوبه لوم غير حقيقي. كنت أجلس بجوار النافذة يزعجني ضوء الشمس الساقط على سطح زجاج النافذة المترب قليلاً عند الحواف، وجدتني قادر على الإدراك أني بعد قرابة شهرين من القطيعة سعيد باتصالها  وأشعر بالرغبة في تقبيلها. رغم الإحباط من وقف الحال شعرت بالامتنان الشديد عقب انتهاء المكالمة التي لا أذكر منها سوى سؤالها عن امتحاناتي. أشعلت سيجارة وامتصصتها بلذة، ثم فكرت كم من الوقت يلزم لتصل أسناني لمرحلة الاصفرار.

12:33

يمثل “ميريك” في فيلم ديفيد لينش “الرجل الفيل” ذعر المجتمع من هاجس القبح الذي يجدون أنفسهم مجبرين على التكيف معه، وسط خوف لا يردع أن يصيروا يومًا إلى مثل هذا.

يبقى القبح ملفوظًا ومكروهًا، القبح بشكله الفج الصريح، ليس بسبب صعوبة التكيف معه في الحقيقة، إنما للخوف الرابض من أن يكشف وجوده القبح الحقيقي بأعماقهم.

كان بإمكان “ميريك” ببساطة تفسير نفورهم منه بسبب أنهم يبدون قبيحين حين يراقبون أنفسهم في تلك المرايا التي حُرم منها، لكن شاء القدر الذي زُج إليه، أن يتحمل وحده تبعات نكران تلك الحقيقة.

11:24

في ركن المقهى، فكرت أن كادر الباب الضيق يصلح لفيلم قصير عبارة عن مشهد طويل ثابت في نقطة واحدة تمر عبرها الأحداث دون توقف. مجمع التحرير يحجب نهاية الأفق وثمة سائح أمريكي يقفز فوق السور الحديدي للعبور إلى الناحية الأخرى وأغنية من إذاعة نجوم إف إم لتامر حسني تأتي من فوق رؤوسنا. كان الوقت صالحًا تمامًا للقاء كل من لم أرد لقائهم فيما سبق. ها هو خمسيني يدخل مصطحبًا مراهقة لا أعتقد أنها ابنته. شعر الخمسيني اسود داكن للغاية وحين جلس باعد بين فخذيه بينما تدلى كرشه من المنتصف. كم بدا هذا منفرًا ومثير للاشمئزاز، كان يثرثر بينما تصغي الفتاة بنظرات شاردة. يذبل الأفق بانسحاب الشمس بلا رجعة والمذياع يبث الآن أغنية لأنغام بلا مبالاة متبادلة من رواد المقهى الذين لا يتوقفون عن الثرثرة. قام الخمسيني إلى التواليت وانشغلت المراهقة في محادثة طويلة على الموبايل. في وسط الميدان دوى فجأة انفجار هائل. من مكاني رأيت دخان رمادي كثيف يرتفع في سحابة كبيرة تتبدد بصعوبة في الهواء. تصاعد الصراخ والضوضاء وسيمفونية كلاكسات مذعورة لا تنقطع. نظرت حولي فوجدت الطاولات تخلو ورواد المقهى يتدافعون للخارج. سحبت نفس عميق ثم فكرت في أشياء كثيرة أفقدتني التجربة لذتها.

 

Advertisements