تجريب


حدث ذات يوم
August 22, 2010, 9:39 pm
Filed under: Uncategorized

تقابلني امرأة في المنام تصر أنها تعرفني. لها وجنتين متوردتين وعينين واسعتين وأنف سامق كأنف نيكول كيدمان ببروز حاد يوسِّع من فتحتيه. تذكرني بزمان الوصل في المعادي، تعرف تفاصيل ظننت أني نسيتها. الكورنيش وشركة البترول ذات المدخل المهيب وسور المستشفى العسكري وفاملي سينما وممرات أبراج عثمان والليل الحالم في الأدوار الشاهقة وحتى كوابيس الوحدة. قالت إن ذكرى ما تجمعنا وأمنت بكلمة “ده حنا عشرة!”. جانب من الذكريات – ككل ما أتذكره – كان يثير انزعاجي. كأنها كانت تعرف نفوري لكن لم ترحمني. كان لديها مئات الصور على الموبايل ورسائل الـsms ومراسلات البريد الإلكتروني، حياة كالأسرار القديمة، باهتة ومنفرة لا تثير بداخلي عاطفة غير البغض، لدرجة شككت أني عشتها يومًا ما. فكرت في قتلها، لكن جاء جلوسنا لسوء الحظ في مقهى مزدحم أسفل برج 14 فوق المتوسط، مقهى يخاتله الهواء المنعش من كل جانب، يحوطه سور شجري يحجب عنه فضول المتسكعين، ولا يرى الجالس إلا الليل المضيء بنوافذ الأبراج المتراصة كحائط شاهق. داعبت رأس الشاليموه الغارق في زجاجة فيروز وقلت بترو “تاخدي كام؟”. امتدت يد ناعمة طويلة الأظافر تداعب ظهر كفي “أنا أوزن عيلتك فلوس”. رن الهاتف فصحوت. وجدتني في بهو واسع حائطه الأمامي عبارة عن واجهة زجاجية ضخمة تحل بديلاً عن الجدار. من مكاني أرى النيل بانعكاس الشمس على سطحه وعلى مرمى البصر جزيرة خضراء تحجب أشجارها فيلا أو منتجع سري. نهضت مفزوعًا، كان صديقي الذي نسيته بتأثير رجوع الزمن، حيث المفترض أنه غير موجود. “عملت إيه؟”. أخبرته عما رأيت، خُيل لي أن مكان الجهاز التناسلي قضيب مبتور عولج ثم شُق طوليًا ثم حُفر لأسفل لإنشاء مشروع فرج غير مكتمل، سمعت شهقته فأبدلت وضع الموبايل للأذن الأخرى وباليد الحرة لوحت للفراغ “بس قشطة يعني.. الدنيا ماشية”.

. . .



تقدم باردة
August 9, 2010, 6:47 pm
Filed under: Uncategorized

فضاءات واسعة مبتلة

تلقيت أخيرًا المكالمة التي أنتظرها منذ يومين. كنت اطلعت بدافع الفضول على خطاب أرسله مديري في العمل وتسلمه أخي بدلاً مني بل ورد عليه. كان أخي يقرأ بعض مجلات الكوميكس ولمحت الخطاب بينهما، وحين ذهب ليكلم أختي سرقت المجلات وخرجت أمامه من باب البيت مضطربًا أشك في أنه لحظ البروز أعلى صدري. كوميكس، صور وكلام ولا شيء. عدت بالمجلات خائبًا فأخذهم بعصبية. سألته عن خطاب لمحته فارتبك. قال إنه خطاب أرسله مديري له مباشرة وأن نبرة الخطاب لم تعجبه فرد عليه ردًا قاسيًا، احتوى سباب في الغالب. فزعت لفكرة أن أخي ربما تهور وشتمه بالفعل. يحضرني زعم أني كرهت أخي لأسباب كثيرة كان المفترض أن أحبه لأجلها. في تلك اللحظة دخلت أختي وأكدت أنها شاركت في الرد على الخطاب وأن الود ودها كان تطليع دين أمه فعلاً. ناولني خطاب عبارة عن لوحة قوطية قديمة، بضع كلمات غير واضحة تقرأ في ضوء المصباح بزاوية مائلة تكسر انعكاس الضوء لتظهر الحروف، قرأت بصعوبة كلمات على شاكلة “أوعى تفكر في يوم من الأيام”، و”ليكن معلوم للجميع”، “ولن أسمح”، و”آسف وأنا أبلغك بهذا القرار”، وفي الأسفل توقيع مديري بين سيفين ودرع. في مدرستي القديمة كنت أعدو لأنجز شيء ما يتعلق بتفصيلة صغيرة نسيتها وكادت تضيع مستقبلي الذي أعيشه الآن، وجودي في المدرسة كان أشبه بالرجوع إلى الماضي يصاحبه هاجس طاغ مخيف أني لن أستطيع الخروج، يندفع التلاميذ مع دق الجرس فأشعر بصداع يجعلني أتوقف بجوار الإفريز الذي يطل على الفناء الرملي الواسع والأطفال بزيهم الموحد منثورين به كالنمل. ثم رأيتها تخرج من بين الأقدام تعدو مذعورة وتحاول القفز إلى حافة السور. أميل وأمسكها من وسطها، تموء بوهن، غير أن الخوف الذي حفزها جعلها عدوانية بقدر ما تستطيع فمالت برأسها للخلف تحاول خمشي. أضعها برفق على السور موقن أن هذا ما تريده وبالتأكيد ستتصرف، تنظر للخلف مرة أخيرة وقد انكمش جسدها ثم تقفز بلا تردد. في الريستورانت، وعلى خلفية ديكور صخري وصوت هدير الشلال رن الهاتف. كنت رننت على المدير عدة مرات ولم أعرف عنه جبنه في الرد على الهاتف أو المواجهة، في المرة الأخيرة كنسل عليّ فعرفت أنه سيطلبني. كنت أجول الأماكن بلا تركيز، واعيًا قدر الإمكان في جولة لاختيار  مكان لا يتصادم مع مزاجي في مرحلة ما بعد المكالمة، فكرت أني أحتاج للجلوس لكن الجلوس يجعل ذهني مسترخي أكثر فتحركت من مكاني وأنا اضغط زر الإجابة. اطمئن عليّ بكلمات رقيقة اكتسبت طاقة صدق هائلة نتيجة نبرته الهادئة وتصنعه الأبوة، كنت أمقته، لن أجادل في هذا، قلت له أني أعتذر لو كان أخي أساء في رده ولم أعلم بالخطاب غير الآن، تجاهل الموضوع وتحدث في نقطة أخرى، حدثني بصراحة أن وجودي في العمل معه هامشي ولا يستحق المرتب، كنت أعرف أن وجوده هو الآخر هامشي فلم آخذ الكلام على محمل الجد ولم يحز في نفسي أي شيء، كنت أعرف ما أتحدث عنه في حين كان كلامه خائبًا ويحمل استهزاء مضمر بذكائي وقدرتي على فهم الأمور، هاجمني بشدة وطريقتي في العمل وشكك في جدوى دوري أصلاً، كنت أسير على أرض مبتلة أراعي في كل خطوة الخفة قدر الإمكان. تحولت نبرته إلى الضيق وقال أن الكلام معي يسبب له صداع، أمقت هذه الطريقة في إنهاء الحوار ويصبح السباب على طرف لساني. قاعة واسعة بإضاءة خضراء باهتة حوائطها سيراميك متسخ وأرضيتها مبتلة وزلقة وثمة صوت هدير عال يأتي من السقف أو الأركان البعيدة، في جانب منها كان الجزار يمزق أحشاء خنزير معلق ويستخرج الكبد بيديه، في جانب آخر كان فتى نحيل ممدد على الأرض وفوقه طفلة تمسك قضيبه الصغير في حجم الموزة وتجلس في وضعية قضاء الحاجة تبتلعه بين فخذيها، من أمامي مر شخص قذر يمسك قطعة كبدة دموية يلتهمها، وفي أقصى اليمين كان كهل يقف أمام إناء عملاق يغلي بمياه قذرة يقلبها بمغرفة عملاقة فتطفو بعض الأذرع والأفخاذ والرؤوس الآدمية ثم سرعان ما تختفي في القعر. قال انظر الحل الوحيد أن تتصل بالإدارة وهم للأسف في اليابان فانتظر عودتهم، قلت بلهفة ممكن اتصل بيهم في اليابان دلوقت لكنه أشار إلى ذهابهم لعلاج اكتئاب مدير المبيعات لفقدانه قطته العزيزة وكانت هذه الحبكة أقل كثيرًا من أن ترضيني. اتجهت للشيف وأشرت إلى خصلات طافية على سطح المرقة منبهًا أن شيئًا كهذا جدير بأن يثير اشمئزاز الزبائن، وأننا في النهاية نربي زبون.

. . .

فاصل

حين أفكر بالموت، وهو تفكير متقطع لكن لا ينقطع، أعرف أن الحياة هي دومًا في مكان آخر، وأن الموت الذي أرغبه هو في أماكن لم أعش بها ولم تطأها قدماي، كنت أكثر تفاؤلاً حين أعرف أن الخروج حتمي، كأني والفناء عقدنا أخيرًا اتفاق مصالحة يرضي الطرفين دون غبن. لطالما فكرت في هوية جديدة وحياة أبدأها بوعي وفهم أتحرك فيها حاسبًا خطواتي ومشكلاً تفاصيلها بالقدر الأقصى من الدقة والحرص. أفعل كل ذلك كاعتذار ضمني عن أخطاء لا تحصى في الحياة الأولى معدومة الذاكرة. لكن بعيدًا عن هذه التفاهات، وحين نفكر بشيء من المنطق، الذي يراعي واقعي الضيق الذي لا يتجاوز الشارع الذي أسكن فيه، أرغب في البكاء لقسوة الخدعة التي أعيشها، وأعيد التفكير بجدية وبقلق أكبر فيما بعد الموت، فالمسألة هنا، والآن، مسألة وقت لا أكثر. والحيوات الأخرى التي أرجوها، هي اعتذار عن أخرى فاتت، لا أكثر.

. . .

المعنى

بسبب شجار مع فتاة لا أعرفها وامرأة حامل عصبية دائمة الصراخ تورطت في عركة موت مع مدين ورفاقه، عيال سيس بذيئة وشرسة كالضباع. كنت وحيد لا أعرف أحد. ذهبت لأبي الروحي اسأله النجاة فربت على كتفي وقال “أعوذ بك من قهر الرجال”. عبرت بوابة الدير العظيمة لأجد مدين ينحدر من على التبة الرملية يحمل عصا غليظة وسنجة عريضة تلمع في شحوب الغروب فعرفت أنه يوم الحسم. تراجعت للداخل ولم يكن هناك وقت لغلق البوابة الحديدية العملاقة. ناديت الحارس الذي كان يجر قدميه إلى غرفته القريبة فالتفت مرهقًا. رأى مدين وقد سد البوابة وعن يمينه اثنين وشماله اثنين. هتف بكل حسه أن استخدام العربات الخشبية حق للأعزل. احتج مدين بصرخة غاضبة “لأااااا”. وانطلق إليّ. عدوت على الأرض الرملية عدوًا ثقيلاً إلى ما وراء الكنتونات الحجرية حتى بلغت الساحة الواسعة التي تنمو على مرتفعاتها النباتات الصحراوية الشائكة. انحدرت إلى حفرة ضخمة تجاوزتها صاعدًا للناحية الأخرى. سمعت أحد أتباع مدين يصرخ “افتح دي!” وهوت أمامي بأمتار قليلة زجاجة بيبسي فارغة. شعرت بالرعب فعدوت بسرعة أكبر. كان هناك ثلاث عربات كارو ترتفع مقدماتها كالمدافع إلى السماء وعربتين خضار فارغتين. وقفت حائرًا. نظرت للخلف فوجدت مدين وأعوانه بأسلحتهم على الضفة الأخرى ينزلقون إلى الحفرة كحشود الصليبيين الغاضبة في مملكة الجنة. تلفت حولي كالمجنون، أصعد العربات وأقفز للناحية الأخرى، أحاول دون جدوى انتزاع قطعة خشب تصلح كحربة، أهذي بهستيريا، اللعنة، أي أهمية تمثلها العربات الخشبية؟!.

. . .

الوعي

في حلم له ثقل الواقع، قتلت عمر البشير. في أحد الأزقة انهلت عليه طعنًا ورفسًا. بنفس لاهث وقلب مضطرب خرجت إلى الميدان أبحث عن طريق الفرار، كانت أكمنة الشرطة مبثورة في كل مكان. وجوه جامدة متحفزة وأضواء صارخة، حمراء وزرقاء. لمحني أحدهم فطاردني مشهرًا سلاحه الآلي. سرعان ما انتبه الآخرون فانضموا إليه.. جريت بأقصى ما يمكنني ولم أستطيع منع ضحكة كبيرة كادت توقف قلبي.

. . .

مداهمة

خرجت من دار الكتب متوجهًا لبيت تريز بمصر القديمة. صعدت السلالم المتهالكة وأنا أدندن بأغنية قلبي مساكن شعبية. كان صباح عيد. غبش الفجر ينسحب تاركًا قطرات الندى على حواف النوافذ والأسطح. يلف الضباب الأبيض البيوت الممتدة على مرمى البصر. تريز منهمكة في مسح الحبل الطويل المربوط من بيتها إلى طرف بعيد لا أراه، يتجاوز بيتها والذي إلى جواره. احتضن جسدها البدين وأقبلها رغم اصطكاك عويناتنا الخفيف. “تعالى هقولك قريت إيه النهاردة؟”، تتملص من بين ذراعي وتسحبني بكفها البض المبلول. أسير خلفها فاصطدم بالحبل الذي يتمزق فتمتد يدي بحركة سريعة لتمسك الطرف الموشك على الإفلات للمجهول. “لو سبته مش هتعرفي تجبيه تاني”، يغلبنا الضحك في محاولاتنا ربط طرفي الحبل ومداعبتي لنهديها من فوق الجلباب الخفيف. أشعر بالبرد وبانتصاب حاد. تسحبني تريز فأخلع ملابسي لأبقى باللباس خارج الغرفة التي تقع وسط سطح واسع عشوائي. نسمع ثرثرة قادمة من بعيد. يشحب وجهها “يا لهوي”، تدفعني لاختبئ بعيدًا.. عاري القدمين لا يسترني إلا اللباس أتخبط باحثًا عن مخبئ. عشة مكشوفة بأسلاك مثل مصيدة الفئران، تنتهي إلى السور ثم الفراغ، ما بين السور والعشة حيز ضيق أحشر نفسي فيه جاثيًا في وضع القرفصاء. تقترب الثرثرة.. أرى الحاج يدخل الكادر وهو يثرثر في هاتف نوكيا صغير موديل قديم. يستند إلى السور ويدخل آخرون في الكادر، بضع نساء محجبات، صغيرات وعجائز، أخواته وأمه على ما يبدو. يستدير ليسير ناحيتي وهو مستغرق في مكالمته. توهمني غريزة الخوف أنه لم يراني. بهدوء ينهي الحاج المكالمة، يضغط الزر بيديه ثم ينظر لي فجأة، نظرة باردة، كنت انتظرها. ينادي: “عبالجواد”، يدخل الكادر شخص عريض المنكبين يرتدي بذلة رمادية ونظارة سوداء وساقيه رفيعتين في بنطال ضيق وبه شبه عرج، يسير ناحيتي، يميل ويمسكني من ذراعي، قبضة كالفولاذ ونبرة باردة، واثقة، “بعد أذنك يا أستاذ”، أدفع يده وأقفز من فوق السور. ارتطم بأرض صخرية مبلولة، ثوان وقفز إلى جواري فاستقبلته بدفعة قوية ارتطم على إثرها بالحائط وسقط متأوهًا.. جربت الجري فأمسك بقدمي وأسقطني، وبقلم جاف أشهره ودفعه فورًا إلى حلقي.

. . .



خيال تافه
August 8, 2010, 3:40 pm
Filed under: Uncategorized

أثارت أمي مشاكل كثيرة مؤخرًا. حين ذهبت كان تصرخ وأبي كالعادة. منذ أمد بعيد ووجودهما معًا تحت سقف واحد والخناقات بينهما هي بروفة ممهِدة لجريمة قتل وشيكة. جلست صامتًا على الأريكة أتابع التلفاز. تعالى صراخهما. كانت أمي تقف بالقرب مني ثم ترفع صوتها بسب أبي فخمنت أنها ربما تستمد بعض الشجاعة من وجودي وأن أبي لن يجرؤ على مهاجمتها وهي إلى جواري. مر أبي يحمل بعض الملاعق المغسولة مكتفيًا بمبادلتها سباب مقذع. سبابهما شديد البذاءة في الحقيقة. انصرفت في المساء. فكرت – فيما أترجل من الميكروباص متجهًا للبيت – في أنه يتحتم على أمي أن تموت قبل أبي. كيف يكون هذا؟. فارق السن متقارب للغاية، أمي تصغر أبي بعامين تقريبًا، لكن باعتبار فارق نسبة الإدراك الكبيرة للغاية بينهما أخمن أن أبي سيعيش أطول. ألاحظ أن جسد أمي ازداد نحولًا لكن جسدها لازال أعرض من جسد أبي الذي تبرز عظام صدره وكتفيه. لا يأكل جيدًا ولا يهتم بذلك قدر اهتمامه بالشاي والسجائر وقديمًا الحشيش الذي منعه عنه ضيق ذات اليد. دارت المسألة برأسي، فاستنتجت أنه من الضروري أن تموت أمي قبل أبي، لأنها لن تستطيع العناية بنفسها.

* * *

كانت الغرفة أشبه بمقبرة كبيرة نسبيًا. مظلمة تمامًا. هواءها راكد يبعث على الشعور بالاختناق. استيقظت فجأة فإذا بي في حلم جديد. كان نور الممر المفضي إلى الحمام والمطبخ مضاء. في نهاية الرواق كان أبي يغسل يديه أمام الصنبور المفتوح على آخره. نظر لي بارتياب وقال شيء عن الفوضى التي أعيش فيها. رأيت الدنيا فوضى بالفعل والماء قد أغرق الأثاث كأن السقف يمطر.

* * *

أحيانًا يا بيرو، في أوقات نادرة، يحلو لي استحضار حالة من الحزن. في مثل هذه الحالة أفكر أن أبي أو أمي أو أخي أو أختي أي منهم أو كلهم ماتوا. لا أفكر في أي من أقاربي أو أصدقائي لأن وفاة أي شخص منهم لن تعني لي شيء. المهم أني على الفور أشعر بالحزن الشديد لدرجة أكاد أبكي. شعور الفقد يتملكني كأني للتو فرغت من دفن أبي. أفكر طبعًا أن إمكانية استحضار مثل هذه الحالات قد يفيد في حالات إيجابية، غير أنها لا تجدي إلا مع حالات الفقد والحزن، ربما لأنها حتمية يا بيروت وتبدو أكثر منطقية. إحدى هذه الحالات كانت عن فقد أمي. في الزيارة الأخيرة احتضنتها فاكتشفت أنه يمكن احتواء جسدها الذي هزل وتطويقه بأكمله بين ذراعيّ، هكذا استقرت أمي داخل حضني لكن لم تمكث طويلاً لوعيها بالطابع التلقائي لذلك الفعل الذي لا يعدو كونه مجاملة يمكن تبادلها مع صاحبي أو أبي الذي احتضنت جسده بالفعل لكن أزاد بأن أصر على تقبيلي من خدي، قبلتين عميقتين لزجتين انبعثت خلالهما رائحة تبغ ثقيلة. استحضاري حالة فقد أمي جاء متزامنًا مع فقد بيروت أختها الكبرى والوحيدة. حين أبلغتني الخبر بنبرة مختنقة شعرت وقتها أني لم أنجح في إظهار تعاطف حقيقي رغم أني شعرت بالصدمة. اتفقنا على لقاء في الغد وكنت قلقًا ألا أظهر من التعاطف ما يليق بمصاب بيروت. في الحقيقة يا بيروت كنت أحتاجك بشدة. كان هناك الكثير من القلق والإحباط والفوضى. قد أضيف أني تضايقت لوقت الوفاة غير الملائم. مثل هذه الأمور مرهقة أيضًا والمواساة تحتاج لجهد أشك أني قادر على الوفاء به. هناك كما هو المفترض اتصالات دورية للاطمئنان، التعزية، اصطحابها لزيارات يومية للقبور، احتمال النشيج والنهنهة ومثل هذه اللحظات التعسة صامتًا أو مواسيًا بكلمات بلهاء. كلها أشياء تثير الملل، وأكاد أجزم أنها سرعان ما ستثير مللك أنتِ أيضًا بيروت. كلنا مروحين والحي أبقى من الميت. الحق أن بيروت كانت أكرم مما توقعت فأعفتني من كل هذا. كانت تتجاهلني لأيام طويلة ثم حين نتكلم فبضع كلمات مقتضبة نحاول على إثرها الاتفاق على موعد ثم نتعلل باضطراب المواعيد فنتركها للظروف. كنت أحاول قدر جهدي الهروب من لقاءها وتأجيل الموعد المفترض. في الليلة التي تمثلت شعور فقدان أمي – والذي حصلت عليه بصعوبة نظرًا لفشلي المستمر في استحضار ملامح أمي التي لم أذكر إلا هزال جسدها وقصر قامتها التي اضطرتني للميل قليلاً كي احتضنها بشكل سليم. فجأة قصرت أمي أو استطلت أنا. خمس سنوات هي في الحقيقة هوة واسعة بلا معنى – أردتك بيروت بشدة. تعرفين هذا الشعور، أن أدخلك فننتفض ثم نبكي. يختلط شعور اللذة بالحزن. امتصاص نهدك بما يسببه من احتقان في حلقي. اعتصار خصرك والنهوض بجسدك كله فيما ذراعي يؤلمني ويفقد من تلقاء نفسه القدرة على التحمل. الخدر اللذيذ الذي ينسحب على جسدينا حين نفرغ ونستلقي نستمع للهاثنا الخافت. في الحافظة الجلدية صورة تجمعني و”كريمة” في نقطة ما من كورنيش المعادي الممتد. أذكر في هذا اللقاء فكرت في تجريب لذة تحسس نهديها في مكان عام كهذا. في البداية كانت تنهرني هامسة أن أبعد ذراعي. ثم حين أصررت رجتني أن أكف، سألتها ليه؟ فقالت بيموتني.

* * *

احتجت وقتًا قصيرًا لأدرك أني نمت فقط أربع دقائق. رغم ذلك أذكر مرور حلمين على عقلي. لم أغفو بشكل كامل. لا أذكر تفاصيل. كنت أغطي رأسي بذراعي الذي يؤلمني. قبلها كنت أمده على استطالته فيهدأ الألم الخافت قليلاً ثم ما يلبث أن يعود مع تدفق الدماء مرة أخرى وتعوده على الوضع الجديد. ضجرت الألم غير المفهوم والذي لا يأتي غير وقت النوم. تمطع بقوة عارفًا أنه سيغادر الحياة بصعوبة. لأفكر في الصباح، بينما لا أتحرك من مرقدي غير المريح، أن الأمر لا يبدو سهلاً بهذا الشكل. من الممكن أن تموت مغدورًا بطعنة من سكير أو أي أحمق ما ليس في وعيه. ربما تغرق في البانيو، تصطدم بالحافة، تتعرقل فتهوى على الأرض الزلقة، تسقط بعينيك على حافة البانيو فيرتد رأسك للخلف بحركة عنيفة ويصعد الألم الحاد دفعة واحدة إلى النافوخ. تتكوم في قعر البانيو متلمسًا أثر الدماء اللزجة تسيل من عينيك اللتين لا تجرؤ على فتحهما. من الممكن أن تكون طلقة محكمة بين عينيك قبل أن ترمى جثتك في أحد الأزقة. ستكون الثياب متربة وملوثة بالدماء وربما أيضًا مثقوبة في بعض المناطق. ما الذي يمكن تخمينه بشأن جثة ملقاة بجوار صندوق قمامة في شارع خلفي مظلم. جثة هامدة، عينين مغلقتان، قضيب مرتخي، صدر مثقوب وقلب ممزق يثعب دمًا غزيرًا بلا توقف، ومشاهد كفت عن الحركة. سأرى أمي وقد أرهقتها الشيخوخة، سأشعر بالخزي أني لم أوف وعدي باصطحابها لتناول العشاء بعيدًا لتشكو لي سبب صمتها هذه الأيام وضجها بسخرية أبي الدائمة منها وأنها تريد أن ترانا قبل أن تغادر، ستوصيني ألا يدخن أبي بالقرب منها، سترجوني أن آمره لأنه لا يسمعها، يريد موتها في أقرب وقت، لا تقولي هذا، أبوك لم يتزوج مرة أخرى ليس تضحية منه كما كان يزعم دائمًا بل لأنه لم يملك المال ليفعل، امتنع عن الحشيش لأنه لم يملك ثمنه، وهو أيضًا يريد قتلي لكن لن يفعل لأنه يخشى السجن، أبوك أبسط من هذا، الأمر كله بسيط. أعرف أن أبي عاش تحكمه الغرائز ولا يحكمها، لم يدفع يومًا أي من غرائزه سوى برادع لا يملك مقاومته. استجاب للفشل وأدمن المخدرات وكانت له بضع تجارب إجرامية خائبة، فكرت، فيما أقاوم تدخين سيجارة أمام أمي التي تتناول طعامها دون شهية، أن أكتب عنه، ثم أدرت الفكرة قليلاً بالتزامن مع العبث بالشوكة في طبق المكرونة إلى أن سلمت بأن الأمر برمته أبسط مما أتصور. كانت بشرتها شاحبة وعينيها كابيتان وخصلة رمادية تفر من أسفل طرحتها القديمة، لا أذكر صورة أخرى لأمي. أمي مثلاً وكما أخبرني أبي كأنما ولدت حزينة هكذا، رغم ذلك كنت أجدها في لحظات العراك مع أبي شرسة كلبؤة. أريد العودة، قالت وهي تدفع طبق الطعام بعيدًا عنها، حسنًا، مددت يدي في جيبي وتلفت باحثًا عن النادل. كانت نسمات الخريف الهادئة تهب من أمامنا فتفاهمنا على أنه يتوجب السير بتلكؤ للاستمتاع أكبر وقت متاح. تذكرت شيء عابر لم يكن له علاقة بأي شيء فسألتها فجأة، أمي هل تغسلين الأكواب جيدًا؟، في الحلم كانت اليد المعروقة تقدم لي كوب حليب متسخ الحواف فسببتها وسكبته بضربة طائشة فبكت بحرقة، خرجت صافقًا الباب خلفي. كان سؤالاً سخيفًا، نظرت لي بعتاب ولم تجب، احتضنت كفها في يدي وتابعنا السير. كنت مختبئًا في الغرفة بينما أبي يمزق أمي في الحمام بالسكين الكبير الذي لم يسنه منذ سنوات. دائمًا كان أبي يذكرني بالذهاب لسن سكين المطبخ الكبير الوحيد وكنت أتعلل بحجج مختلفة فينسى سريعًا. في الحقيقة كنت أخاف من وجود السكين في درج المطبخ، كنت أخشى وجوده في البيت وفكرت عدة مرات في التخلص منه أو إخفاءه وإظهاره وقت الحاجة فقط. كانت أمي تعدو عبر الرواق الضيق إلى المطبخ، من مكاني خلف باب الغرفة أسمع درج المطبخ يُسحب بعنف فتصدر الملاعق رنينًا عشوائيًا مثل شخللة. أسمع تهديد بالابتعاد واضح وجاد. ترفع أمي بصرها للسماء. هل ترى قمر؟. نظرها كل، رغم ذلك لا يوجد قمر يا أمي أنتِ محقة. أشعر بالانزعاج لأني لم أنم سوى أربع دقائق. رغم ذلك يخيل لي أن الوقت تغير بسرعة. لم أعرف ذلك سوى بمتابعة ساعة الموبايل لكن لا أذكر أين أنا.

. . .