تجريب


خيال تافه
August 8, 2010, 3:40 pm
Filed under: Uncategorized

أثارت أمي مشاكل كثيرة مؤخرًا. حين ذهبت كان تصرخ وأبي كالعادة. منذ أمد بعيد ووجودهما معًا تحت سقف واحد والخناقات بينهما هي بروفة ممهِدة لجريمة قتل وشيكة. جلست صامتًا على الأريكة أتابع التلفاز. تعالى صراخهما. كانت أمي تقف بالقرب مني ثم ترفع صوتها بسب أبي فخمنت أنها ربما تستمد بعض الشجاعة من وجودي وأن أبي لن يجرؤ على مهاجمتها وهي إلى جواري. مر أبي يحمل بعض الملاعق المغسولة مكتفيًا بمبادلتها سباب مقذع. سبابهما شديد البذاءة في الحقيقة. انصرفت في المساء. فكرت – فيما أترجل من الميكروباص متجهًا للبيت – في أنه يتحتم على أمي أن تموت قبل أبي. كيف يكون هذا؟. فارق السن متقارب للغاية، أمي تصغر أبي بعامين تقريبًا، لكن باعتبار فارق نسبة الإدراك الكبيرة للغاية بينهما أخمن أن أبي سيعيش أطول. ألاحظ أن جسد أمي ازداد نحولًا لكن جسدها لازال أعرض من جسد أبي الذي تبرز عظام صدره وكتفيه. لا يأكل جيدًا ولا يهتم بذلك قدر اهتمامه بالشاي والسجائر وقديمًا الحشيش الذي منعه عنه ضيق ذات اليد. دارت المسألة برأسي، فاستنتجت أنه من الضروري أن تموت أمي قبل أبي، لأنها لن تستطيع العناية بنفسها.

* * *

كانت الغرفة أشبه بمقبرة كبيرة نسبيًا. مظلمة تمامًا. هواءها راكد يبعث على الشعور بالاختناق. استيقظت فجأة فإذا بي في حلم جديد. كان نور الممر المفضي إلى الحمام والمطبخ مضاء. في نهاية الرواق كان أبي يغسل يديه أمام الصنبور المفتوح على آخره. نظر لي بارتياب وقال شيء عن الفوضى التي أعيش فيها. رأيت الدنيا فوضى بالفعل والماء قد أغرق الأثاث كأن السقف يمطر.

* * *

أحيانًا يا بيرو، في أوقات نادرة، يحلو لي استحضار حالة من الحزن. في مثل هذه الحالة أفكر أن أبي أو أمي أو أخي أو أختي أي منهم أو كلهم ماتوا. لا أفكر في أي من أقاربي أو أصدقائي لأن وفاة أي شخص منهم لن تعني لي شيء. المهم أني على الفور أشعر بالحزن الشديد لدرجة أكاد أبكي. شعور الفقد يتملكني كأني للتو فرغت من دفن أبي. أفكر طبعًا أن إمكانية استحضار مثل هذه الحالات قد يفيد في حالات إيجابية، غير أنها لا تجدي إلا مع حالات الفقد والحزن، ربما لأنها حتمية يا بيروت وتبدو أكثر منطقية. إحدى هذه الحالات كانت عن فقد أمي. في الزيارة الأخيرة احتضنتها فاكتشفت أنه يمكن احتواء جسدها الذي هزل وتطويقه بأكمله بين ذراعيّ، هكذا استقرت أمي داخل حضني لكن لم تمكث طويلاً لوعيها بالطابع التلقائي لذلك الفعل الذي لا يعدو كونه مجاملة يمكن تبادلها مع صاحبي أو أبي الذي احتضنت جسده بالفعل لكن أزاد بأن أصر على تقبيلي من خدي، قبلتين عميقتين لزجتين انبعثت خلالهما رائحة تبغ ثقيلة. استحضاري حالة فقد أمي جاء متزامنًا مع فقد بيروت أختها الكبرى والوحيدة. حين أبلغتني الخبر بنبرة مختنقة شعرت وقتها أني لم أنجح في إظهار تعاطف حقيقي رغم أني شعرت بالصدمة. اتفقنا على لقاء في الغد وكنت قلقًا ألا أظهر من التعاطف ما يليق بمصاب بيروت. في الحقيقة يا بيروت كنت أحتاجك بشدة. كان هناك الكثير من القلق والإحباط والفوضى. قد أضيف أني تضايقت لوقت الوفاة غير الملائم. مثل هذه الأمور مرهقة أيضًا والمواساة تحتاج لجهد أشك أني قادر على الوفاء به. هناك كما هو المفترض اتصالات دورية للاطمئنان، التعزية، اصطحابها لزيارات يومية للقبور، احتمال النشيج والنهنهة ومثل هذه اللحظات التعسة صامتًا أو مواسيًا بكلمات بلهاء. كلها أشياء تثير الملل، وأكاد أجزم أنها سرعان ما ستثير مللك أنتِ أيضًا بيروت. كلنا مروحين والحي أبقى من الميت. الحق أن بيروت كانت أكرم مما توقعت فأعفتني من كل هذا. كانت تتجاهلني لأيام طويلة ثم حين نتكلم فبضع كلمات مقتضبة نحاول على إثرها الاتفاق على موعد ثم نتعلل باضطراب المواعيد فنتركها للظروف. كنت أحاول قدر جهدي الهروب من لقاءها وتأجيل الموعد المفترض. في الليلة التي تمثلت شعور فقدان أمي – والذي حصلت عليه بصعوبة نظرًا لفشلي المستمر في استحضار ملامح أمي التي لم أذكر إلا هزال جسدها وقصر قامتها التي اضطرتني للميل قليلاً كي احتضنها بشكل سليم. فجأة قصرت أمي أو استطلت أنا. خمس سنوات هي في الحقيقة هوة واسعة بلا معنى – أردتك بيروت بشدة. تعرفين هذا الشعور، أن أدخلك فننتفض ثم نبكي. يختلط شعور اللذة بالحزن. امتصاص نهدك بما يسببه من احتقان في حلقي. اعتصار خصرك والنهوض بجسدك كله فيما ذراعي يؤلمني ويفقد من تلقاء نفسه القدرة على التحمل. الخدر اللذيذ الذي ينسحب على جسدينا حين نفرغ ونستلقي نستمع للهاثنا الخافت. في الحافظة الجلدية صورة تجمعني و”كريمة” في نقطة ما من كورنيش المعادي الممتد. أذكر في هذا اللقاء فكرت في تجريب لذة تحسس نهديها في مكان عام كهذا. في البداية كانت تنهرني هامسة أن أبعد ذراعي. ثم حين أصررت رجتني أن أكف، سألتها ليه؟ فقالت بيموتني.

* * *

احتجت وقتًا قصيرًا لأدرك أني نمت فقط أربع دقائق. رغم ذلك أذكر مرور حلمين على عقلي. لم أغفو بشكل كامل. لا أذكر تفاصيل. كنت أغطي رأسي بذراعي الذي يؤلمني. قبلها كنت أمده على استطالته فيهدأ الألم الخافت قليلاً ثم ما يلبث أن يعود مع تدفق الدماء مرة أخرى وتعوده على الوضع الجديد. ضجرت الألم غير المفهوم والذي لا يأتي غير وقت النوم. تمطع بقوة عارفًا أنه سيغادر الحياة بصعوبة. لأفكر في الصباح، بينما لا أتحرك من مرقدي غير المريح، أن الأمر لا يبدو سهلاً بهذا الشكل. من الممكن أن تموت مغدورًا بطعنة من سكير أو أي أحمق ما ليس في وعيه. ربما تغرق في البانيو، تصطدم بالحافة، تتعرقل فتهوى على الأرض الزلقة، تسقط بعينيك على حافة البانيو فيرتد رأسك للخلف بحركة عنيفة ويصعد الألم الحاد دفعة واحدة إلى النافوخ. تتكوم في قعر البانيو متلمسًا أثر الدماء اللزجة تسيل من عينيك اللتين لا تجرؤ على فتحهما. من الممكن أن تكون طلقة محكمة بين عينيك قبل أن ترمى جثتك في أحد الأزقة. ستكون الثياب متربة وملوثة بالدماء وربما أيضًا مثقوبة في بعض المناطق. ما الذي يمكن تخمينه بشأن جثة ملقاة بجوار صندوق قمامة في شارع خلفي مظلم. جثة هامدة، عينين مغلقتان، قضيب مرتخي، صدر مثقوب وقلب ممزق يثعب دمًا غزيرًا بلا توقف، ومشاهد كفت عن الحركة. سأرى أمي وقد أرهقتها الشيخوخة، سأشعر بالخزي أني لم أوف وعدي باصطحابها لتناول العشاء بعيدًا لتشكو لي سبب صمتها هذه الأيام وضجها بسخرية أبي الدائمة منها وأنها تريد أن ترانا قبل أن تغادر، ستوصيني ألا يدخن أبي بالقرب منها، سترجوني أن آمره لأنه لا يسمعها، يريد موتها في أقرب وقت، لا تقولي هذا، أبوك لم يتزوج مرة أخرى ليس تضحية منه كما كان يزعم دائمًا بل لأنه لم يملك المال ليفعل، امتنع عن الحشيش لأنه لم يملك ثمنه، وهو أيضًا يريد قتلي لكن لن يفعل لأنه يخشى السجن، أبوك أبسط من هذا، الأمر كله بسيط. أعرف أن أبي عاش تحكمه الغرائز ولا يحكمها، لم يدفع يومًا أي من غرائزه سوى برادع لا يملك مقاومته. استجاب للفشل وأدمن المخدرات وكانت له بضع تجارب إجرامية خائبة، فكرت، فيما أقاوم تدخين سيجارة أمام أمي التي تتناول طعامها دون شهية، أن أكتب عنه، ثم أدرت الفكرة قليلاً بالتزامن مع العبث بالشوكة في طبق المكرونة إلى أن سلمت بأن الأمر برمته أبسط مما أتصور. كانت بشرتها شاحبة وعينيها كابيتان وخصلة رمادية تفر من أسفل طرحتها القديمة، لا أذكر صورة أخرى لأمي. أمي مثلاً وكما أخبرني أبي كأنما ولدت حزينة هكذا، رغم ذلك كنت أجدها في لحظات العراك مع أبي شرسة كلبؤة. أريد العودة، قالت وهي تدفع طبق الطعام بعيدًا عنها، حسنًا، مددت يدي في جيبي وتلفت باحثًا عن النادل. كانت نسمات الخريف الهادئة تهب من أمامنا فتفاهمنا على أنه يتوجب السير بتلكؤ للاستمتاع أكبر وقت متاح. تذكرت شيء عابر لم يكن له علاقة بأي شيء فسألتها فجأة، أمي هل تغسلين الأكواب جيدًا؟، في الحلم كانت اليد المعروقة تقدم لي كوب حليب متسخ الحواف فسببتها وسكبته بضربة طائشة فبكت بحرقة، خرجت صافقًا الباب خلفي. كان سؤالاً سخيفًا، نظرت لي بعتاب ولم تجب، احتضنت كفها في يدي وتابعنا السير. كنت مختبئًا في الغرفة بينما أبي يمزق أمي في الحمام بالسكين الكبير الذي لم يسنه منذ سنوات. دائمًا كان أبي يذكرني بالذهاب لسن سكين المطبخ الكبير الوحيد وكنت أتعلل بحجج مختلفة فينسى سريعًا. في الحقيقة كنت أخاف من وجود السكين في درج المطبخ، كنت أخشى وجوده في البيت وفكرت عدة مرات في التخلص منه أو إخفاءه وإظهاره وقت الحاجة فقط. كانت أمي تعدو عبر الرواق الضيق إلى المطبخ، من مكاني خلف باب الغرفة أسمع درج المطبخ يُسحب بعنف فتصدر الملاعق رنينًا عشوائيًا مثل شخللة. أسمع تهديد بالابتعاد واضح وجاد. ترفع أمي بصرها للسماء. هل ترى قمر؟. نظرها كل، رغم ذلك لا يوجد قمر يا أمي أنتِ محقة. أشعر بالانزعاج لأني لم أنم سوى أربع دقائق. رغم ذلك يخيل لي أن الوقت تغير بسرعة. لم أعرف ذلك سوى بمتابعة ساعة الموبايل لكن لا أذكر أين أنا.

. . .

Advertisements

1 Comment so far
Leave a comment

اللهم اجعل النصر قريب جدااااااااااااا
اللهم زلزل العدو
امين
مظاهرات فى مصر

Comment by مظاهرات فى مصر




Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s



%d bloggers like this: