تجريب


تقدم باردة
August 9, 2010, 6:47 pm
Filed under: Uncategorized

فضاءات واسعة مبتلة

تلقيت أخيرًا المكالمة التي أنتظرها منذ يومين. كنت اطلعت بدافع الفضول على خطاب أرسله مديري في العمل وتسلمه أخي بدلاً مني بل ورد عليه. كان أخي يقرأ بعض مجلات الكوميكس ولمحت الخطاب بينهما، وحين ذهب ليكلم أختي سرقت المجلات وخرجت أمامه من باب البيت مضطربًا أشك في أنه لحظ البروز أعلى صدري. كوميكس، صور وكلام ولا شيء. عدت بالمجلات خائبًا فأخذهم بعصبية. سألته عن خطاب لمحته فارتبك. قال إنه خطاب أرسله مديري له مباشرة وأن نبرة الخطاب لم تعجبه فرد عليه ردًا قاسيًا، احتوى سباب في الغالب. فزعت لفكرة أن أخي ربما تهور وشتمه بالفعل. يحضرني زعم أني كرهت أخي لأسباب كثيرة كان المفترض أن أحبه لأجلها. في تلك اللحظة دخلت أختي وأكدت أنها شاركت في الرد على الخطاب وأن الود ودها كان تطليع دين أمه فعلاً. ناولني خطاب عبارة عن لوحة قوطية قديمة، بضع كلمات غير واضحة تقرأ في ضوء المصباح بزاوية مائلة تكسر انعكاس الضوء لتظهر الحروف، قرأت بصعوبة كلمات على شاكلة “أوعى تفكر في يوم من الأيام”، و”ليكن معلوم للجميع”، “ولن أسمح”، و”آسف وأنا أبلغك بهذا القرار”، وفي الأسفل توقيع مديري بين سيفين ودرع. في مدرستي القديمة كنت أعدو لأنجز شيء ما يتعلق بتفصيلة صغيرة نسيتها وكادت تضيع مستقبلي الذي أعيشه الآن، وجودي في المدرسة كان أشبه بالرجوع إلى الماضي يصاحبه هاجس طاغ مخيف أني لن أستطيع الخروج، يندفع التلاميذ مع دق الجرس فأشعر بصداع يجعلني أتوقف بجوار الإفريز الذي يطل على الفناء الرملي الواسع والأطفال بزيهم الموحد منثورين به كالنمل. ثم رأيتها تخرج من بين الأقدام تعدو مذعورة وتحاول القفز إلى حافة السور. أميل وأمسكها من وسطها، تموء بوهن، غير أن الخوف الذي حفزها جعلها عدوانية بقدر ما تستطيع فمالت برأسها للخلف تحاول خمشي. أضعها برفق على السور موقن أن هذا ما تريده وبالتأكيد ستتصرف، تنظر للخلف مرة أخيرة وقد انكمش جسدها ثم تقفز بلا تردد. في الريستورانت، وعلى خلفية ديكور صخري وصوت هدير الشلال رن الهاتف. كنت رننت على المدير عدة مرات ولم أعرف عنه جبنه في الرد على الهاتف أو المواجهة، في المرة الأخيرة كنسل عليّ فعرفت أنه سيطلبني. كنت أجول الأماكن بلا تركيز، واعيًا قدر الإمكان في جولة لاختيار  مكان لا يتصادم مع مزاجي في مرحلة ما بعد المكالمة، فكرت أني أحتاج للجلوس لكن الجلوس يجعل ذهني مسترخي أكثر فتحركت من مكاني وأنا اضغط زر الإجابة. اطمئن عليّ بكلمات رقيقة اكتسبت طاقة صدق هائلة نتيجة نبرته الهادئة وتصنعه الأبوة، كنت أمقته، لن أجادل في هذا، قلت له أني أعتذر لو كان أخي أساء في رده ولم أعلم بالخطاب غير الآن، تجاهل الموضوع وتحدث في نقطة أخرى، حدثني بصراحة أن وجودي في العمل معه هامشي ولا يستحق المرتب، كنت أعرف أن وجوده هو الآخر هامشي فلم آخذ الكلام على محمل الجد ولم يحز في نفسي أي شيء، كنت أعرف ما أتحدث عنه في حين كان كلامه خائبًا ويحمل استهزاء مضمر بذكائي وقدرتي على فهم الأمور، هاجمني بشدة وطريقتي في العمل وشكك في جدوى دوري أصلاً، كنت أسير على أرض مبتلة أراعي في كل خطوة الخفة قدر الإمكان. تحولت نبرته إلى الضيق وقال أن الكلام معي يسبب له صداع، أمقت هذه الطريقة في إنهاء الحوار ويصبح السباب على طرف لساني. قاعة واسعة بإضاءة خضراء باهتة حوائطها سيراميك متسخ وأرضيتها مبتلة وزلقة وثمة صوت هدير عال يأتي من السقف أو الأركان البعيدة، في جانب منها كان الجزار يمزق أحشاء خنزير معلق ويستخرج الكبد بيديه، في جانب آخر كان فتى نحيل ممدد على الأرض وفوقه طفلة تمسك قضيبه الصغير في حجم الموزة وتجلس في وضعية قضاء الحاجة تبتلعه بين فخذيها، من أمامي مر شخص قذر يمسك قطعة كبدة دموية يلتهمها، وفي أقصى اليمين كان كهل يقف أمام إناء عملاق يغلي بمياه قذرة يقلبها بمغرفة عملاقة فتطفو بعض الأذرع والأفخاذ والرؤوس الآدمية ثم سرعان ما تختفي في القعر. قال انظر الحل الوحيد أن تتصل بالإدارة وهم للأسف في اليابان فانتظر عودتهم، قلت بلهفة ممكن اتصل بيهم في اليابان دلوقت لكنه أشار إلى ذهابهم لعلاج اكتئاب مدير المبيعات لفقدانه قطته العزيزة وكانت هذه الحبكة أقل كثيرًا من أن ترضيني. اتجهت للشيف وأشرت إلى خصلات طافية على سطح المرقة منبهًا أن شيئًا كهذا جدير بأن يثير اشمئزاز الزبائن، وأننا في النهاية نربي زبون.

. . .

فاصل

حين أفكر بالموت، وهو تفكير متقطع لكن لا ينقطع، أعرف أن الحياة هي دومًا في مكان آخر، وأن الموت الذي أرغبه هو في أماكن لم أعش بها ولم تطأها قدماي، كنت أكثر تفاؤلاً حين أعرف أن الخروج حتمي، كأني والفناء عقدنا أخيرًا اتفاق مصالحة يرضي الطرفين دون غبن. لطالما فكرت في هوية جديدة وحياة أبدأها بوعي وفهم أتحرك فيها حاسبًا خطواتي ومشكلاً تفاصيلها بالقدر الأقصى من الدقة والحرص. أفعل كل ذلك كاعتذار ضمني عن أخطاء لا تحصى في الحياة الأولى معدومة الذاكرة. لكن بعيدًا عن هذه التفاهات، وحين نفكر بشيء من المنطق، الذي يراعي واقعي الضيق الذي لا يتجاوز الشارع الذي أسكن فيه، أرغب في البكاء لقسوة الخدعة التي أعيشها، وأعيد التفكير بجدية وبقلق أكبر فيما بعد الموت، فالمسألة هنا، والآن، مسألة وقت لا أكثر. والحيوات الأخرى التي أرجوها، هي اعتذار عن أخرى فاتت، لا أكثر.

. . .

المعنى

بسبب شجار مع فتاة لا أعرفها وامرأة حامل عصبية دائمة الصراخ تورطت في عركة موت مع مدين ورفاقه، عيال سيس بذيئة وشرسة كالضباع. كنت وحيد لا أعرف أحد. ذهبت لأبي الروحي اسأله النجاة فربت على كتفي وقال “أعوذ بك من قهر الرجال”. عبرت بوابة الدير العظيمة لأجد مدين ينحدر من على التبة الرملية يحمل عصا غليظة وسنجة عريضة تلمع في شحوب الغروب فعرفت أنه يوم الحسم. تراجعت للداخل ولم يكن هناك وقت لغلق البوابة الحديدية العملاقة. ناديت الحارس الذي كان يجر قدميه إلى غرفته القريبة فالتفت مرهقًا. رأى مدين وقد سد البوابة وعن يمينه اثنين وشماله اثنين. هتف بكل حسه أن استخدام العربات الخشبية حق للأعزل. احتج مدين بصرخة غاضبة “لأااااا”. وانطلق إليّ. عدوت على الأرض الرملية عدوًا ثقيلاً إلى ما وراء الكنتونات الحجرية حتى بلغت الساحة الواسعة التي تنمو على مرتفعاتها النباتات الصحراوية الشائكة. انحدرت إلى حفرة ضخمة تجاوزتها صاعدًا للناحية الأخرى. سمعت أحد أتباع مدين يصرخ “افتح دي!” وهوت أمامي بأمتار قليلة زجاجة بيبسي فارغة. شعرت بالرعب فعدوت بسرعة أكبر. كان هناك ثلاث عربات كارو ترتفع مقدماتها كالمدافع إلى السماء وعربتين خضار فارغتين. وقفت حائرًا. نظرت للخلف فوجدت مدين وأعوانه بأسلحتهم على الضفة الأخرى ينزلقون إلى الحفرة كحشود الصليبيين الغاضبة في مملكة الجنة. تلفت حولي كالمجنون، أصعد العربات وأقفز للناحية الأخرى، أحاول دون جدوى انتزاع قطعة خشب تصلح كحربة، أهذي بهستيريا، اللعنة، أي أهمية تمثلها العربات الخشبية؟!.

. . .

الوعي

في حلم له ثقل الواقع، قتلت عمر البشير. في أحد الأزقة انهلت عليه طعنًا ورفسًا. بنفس لاهث وقلب مضطرب خرجت إلى الميدان أبحث عن طريق الفرار، كانت أكمنة الشرطة مبثورة في كل مكان. وجوه جامدة متحفزة وأضواء صارخة، حمراء وزرقاء. لمحني أحدهم فطاردني مشهرًا سلاحه الآلي. سرعان ما انتبه الآخرون فانضموا إليه.. جريت بأقصى ما يمكنني ولم أستطيع منع ضحكة كبيرة كادت توقف قلبي.

. . .

مداهمة

خرجت من دار الكتب متوجهًا لبيت تريز بمصر القديمة. صعدت السلالم المتهالكة وأنا أدندن بأغنية قلبي مساكن شعبية. كان صباح عيد. غبش الفجر ينسحب تاركًا قطرات الندى على حواف النوافذ والأسطح. يلف الضباب الأبيض البيوت الممتدة على مرمى البصر. تريز منهمكة في مسح الحبل الطويل المربوط من بيتها إلى طرف بعيد لا أراه، يتجاوز بيتها والذي إلى جواره. احتضن جسدها البدين وأقبلها رغم اصطكاك عويناتنا الخفيف. “تعالى هقولك قريت إيه النهاردة؟”، تتملص من بين ذراعي وتسحبني بكفها البض المبلول. أسير خلفها فاصطدم بالحبل الذي يتمزق فتمتد يدي بحركة سريعة لتمسك الطرف الموشك على الإفلات للمجهول. “لو سبته مش هتعرفي تجبيه تاني”، يغلبنا الضحك في محاولاتنا ربط طرفي الحبل ومداعبتي لنهديها من فوق الجلباب الخفيف. أشعر بالبرد وبانتصاب حاد. تسحبني تريز فأخلع ملابسي لأبقى باللباس خارج الغرفة التي تقع وسط سطح واسع عشوائي. نسمع ثرثرة قادمة من بعيد. يشحب وجهها “يا لهوي”، تدفعني لاختبئ بعيدًا.. عاري القدمين لا يسترني إلا اللباس أتخبط باحثًا عن مخبئ. عشة مكشوفة بأسلاك مثل مصيدة الفئران، تنتهي إلى السور ثم الفراغ، ما بين السور والعشة حيز ضيق أحشر نفسي فيه جاثيًا في وضع القرفصاء. تقترب الثرثرة.. أرى الحاج يدخل الكادر وهو يثرثر في هاتف نوكيا صغير موديل قديم. يستند إلى السور ويدخل آخرون في الكادر، بضع نساء محجبات، صغيرات وعجائز، أخواته وأمه على ما يبدو. يستدير ليسير ناحيتي وهو مستغرق في مكالمته. توهمني غريزة الخوف أنه لم يراني. بهدوء ينهي الحاج المكالمة، يضغط الزر بيديه ثم ينظر لي فجأة، نظرة باردة، كنت انتظرها. ينادي: “عبالجواد”، يدخل الكادر شخص عريض المنكبين يرتدي بذلة رمادية ونظارة سوداء وساقيه رفيعتين في بنطال ضيق وبه شبه عرج، يسير ناحيتي، يميل ويمسكني من ذراعي، قبضة كالفولاذ ونبرة باردة، واثقة، “بعد أذنك يا أستاذ”، أدفع يده وأقفز من فوق السور. ارتطم بأرض صخرية مبلولة، ثوان وقفز إلى جواري فاستقبلته بدفعة قوية ارتطم على إثرها بالحائط وسقط متأوهًا.. جربت الجري فأمسك بقدمي وأسقطني، وبقلم جاف أشهره ودفعه فورًا إلى حلقي.

. . .

Advertisements

1 Comment so far
Leave a comment

اللهم اجعل النصر قريب جدااااااااااااا
اللهم زلزل العدو
امين
مظاهرات فى مصر

Comment by مظاهرات فى مصر




Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s



%d bloggers like this: