تجريب


مشهد (1): ليل / خارجي
August 22, 2012, 8:39 pm
Filed under: Uncategorized | Tags: , ,

 الثلاثاء 25 يناير 2011

انطلاقًا من دار السلام، مرورًا بخمس محطات وصولاً للسادات لم أكن أعرف لِم أنا ذاهب لوسط البلد، باعتقادي أن قطاع عريض من الذين رأيتهم على هدي الأضواء الكابوسية لميدان التحرير جاءوا بهذه الطريقة: اتصال عابر بصديق للاطمئنان عليه تكتشف أنه هناك ويسبك لأنك مازلت في البيت فتقول بعجالة أنا جاي وتغلق لتتصل بصديق يسكن بالقرب منك ليقابلك في محطة المترو وتذهبا سويًا.

نختلف نحن، أو أختلف أنا، في أن إرادة التغيير تنمو ببطء، ويجب أن يرافقها معادل بصري مناسب كالذي وجدت نفسي محاصرًا فيه إلى جوار مجمع التحرير بوسط البلد.. في مرحلة ما، أودع القيم الكبرى والانشغال بالهم العام، أنا لم أُرَبَى أيديولوجيًا على ضرورة إحداث أي فرق فيما يدور حولي، فلا منطق داخلي للتفاعل بشكل جدي مع حدث ولو بمثل هذه الضخامة. من كانوا قبلنا، حتى من عُزلوا عن المعادل البصري المناسب، رأوا الانكسار في عيون الآباء إبان النكسة وفرحة الانتصار في الشوارع في حرب 73 ، وفوضى الشوارع في ثورة الجياع والقبضة الأمنية الفولاذية عقب اغتيال السادات ومرحلة تجفيف المنابع والتعامل بالسلاح المباشر مع أي بادرة تمرد خلال حقبة التسعينات.

في مرحلة استقرار نسبي، نعيشها، أو أعيشها أنا، اقتصاديًا وأمنيًا، أرى العصيان المدني ضربًا من “البطر” والفراغ، أو على الأقل إشباع الرغبة في إثارة الفوضى والعنف وتحويل مصر إلى نادي قتال كبير.

تملكتني أفكار كهذه قرابة ثلاث محطات، من الملك الصالح حتى وصلنا إلى سعد زغلول.. فكرنا في النزول في سعد زغلول للالتفاف حول الاعتصام من الخلف والبحث عن ثغرة للدخول، فالنزول في السادات كما أتوقع يقذف بنا إلى داخل المظاهرة ويجعلنا حبيسي الميدان.

في محطة السادات، نلاحظ التحفز على وجوه العساكر نحيفي الأبدان الذين يقفون على البوابات إلى جوارهم بضع مخبرين بمظهرهم التقليدي، شوارب كثة وأكتاف مفتولة وملامح غبية “أي قاسية”، يتفحصون النازلين بنظرات نارية.

خرجنا إلى الميدان فشهقنا بإفيه مبتذل “أحه، ؤمال مين اللي ع الجبهة”..

كانت جموع المتظاهرين الغفيرة محاصرة داخل رقعة واسعة من الميدان، جميع الشوارع من وإلى الميدان مغلقة بصفوف طويلة سوداء وعربات مدرعة تصدر أصوات وأضواء عصبية.

من كانوا يخططون لقضاء الليلة في الميدان مثلنا بالتأكيد سيراجعون أنفسهم حين تشتد وطأة القمع، عليهم حينها السير على الأقدام في جماعات لاختراق الكردونات الأمنية وكسر الحصار، وهو ما يهدد بالتحام مباشر لن يملك الكثير منا الشجاعة لخوضه.

ننخرط في الجموع، فالتشتت يهدد باختطاف من يشرد عن المجموعة.. نقف لنراقب الأمن عبر مساحة الفراغ الكبيرة بيننا. يحاول أحدنا ترديد هتاف ما، “الشعب، يريد، إسقاط النظام”، يوافقه البعض ثم ما يلبث أن يتبدد الصوت ويختفي. أفتح الموبايل لمكالمة أصدقائنا، لا توجد شبكة، أشعر بوطأة الجو الكابوسي حولنا.

. . .

في لحظات يدوي صوت مكتوم، ونرى في السماء خيوط الدخان البيضاء تطير في قوس واسع لتسقط بيننا، نبدأ في التشتت، يحاول البعض لم الشمل لكن الدخان يعمي العيون، نتراجع بارتباك محاولين الحفاظ على تماسك الحشد، تتساقط القنابل بيننا، نتراجع إلى الخلف، ألاحظ أن الصفوف السوداء تتراجع أيضًا للحفاظ على مساحة الفراغ بيننا، الالتحام سيكون مأساوي، والغاز ثقيل فعلاً، لا أرى شيء تقريبًا ولا أملك القدرة على فتح عيني وأشعر بالاختناق، أبحث عن صديقي، أناوله منديل ليضعه على أنفه وأحذره بجدية بالغة من “دعك” عينيه.

البعض يرتدي أقنعة طبية، جئنا إلى هنا اعتباطًا كأننا ذاهبين لنزهة، لم نتخذ أي احتياطات.. يتكاثف الدخان في الهواء فنتراجع بحثًا عن منطقة نقية نعيد التجمع فيها.. يجبرنا الدخان الكثيف على الركض باتجاه المتحف المصري وأخمن أن الصفوف السوداء بدأت في حركتها المتباطئة خلفنا، فتاة تسقط مغشيًا عليها فيحملها صديقها ويواصل العدو، يدخل بعضنا إلى أحد مواقع البناء الملاصقة للمتحف بينما يستمر الآخرون في تراجعهم إلى عبد المنعم رياض.. نسير وسط معدات البناء والخزانات الضخمة، يتلاشى أثر الدخان تدريجيًا وتدمع أعيننا بغزارة، أسعل وأحس بصدري يُشرخ.. نسمع صوت طلقات في الخارج، صوت قوي مخيف.. مجموعة أخرى تعدو إلينا، يصرخ شاب “إيه صوت الضرب دا.. رصاص؟!” نتحرك للخروج من المكان، يسقط شاب يحمل حقيبة ثقيلة، أميل عليه “مالك؟” “مش قادر أتنفس”، يتصاعد صوت الضرب المبهم مرة أخرى، أساعده على النهوض وأفكر أن حمل حقيبة بهذا الحجم في هذه الظروف غباء بلا أدنى شك، يحمله آخر معي ونواصل المشي.. في الشارع المحاذي للمتحف المصري والمؤدي للكورنيش نجد شابًا ينزف من رأسه بغزارة، يقول إن قنبلة الغاز سقوط فوقه. جرح غائر فوق الحاجب، أبحث عن شيء لربط الجرح فيناولني شاب طاقيته الصوف، يميل برأسه فألبسها له نزولاً لجرح الحاجب، لكنه يظل في حاجة لقطعة قماش لربط الجرح ووقف النزيف، نواصل المشي.. رؤية الدماء لماذا هي مفزعة لهذا الحد؟.. نمر بحرس المتحف وبعض العساكر بهراوتهم ومصداتهم، نمر إلى جوارهم فيتابعونا بتحفز.. لا أضمر أي نية لهؤلاء، أراهن على أن ظروفنا واحدة وتراودني ذات الفكرة الساذجة أننا كلنا مصريون، وأن معركتنا ليست مع هؤلاء بل مع من يقودونهم.. ربما يختلف الأمر ويغير كل منا فكرته عن الآخر لو جاءت لحظة للالتحام.

بحساسية اعتياد أثر القنابل المسيلة للدموع، تبدأ أعيننا في الهيجان مرة أخرى حين نشرف على طريق الكورنيش، أخمن أن مواجهة تدور رحاها في الخارج، لكن صوت الرصاص خلفنا يجبرنا على التقدم.. نخرج عدوًا في مجاميع، السماء ملبدة بالسحب الكثيفة والاختناق يعود من جديد، ننزل السلالم المؤدية إلى المراكب، يفك أحدهم حبل المركب ويقفز مع مجموعة إلى عرض النيل.. نجري إلى مركب ونتدافع فيه، يعدو صاحبه “رايحين فين؟” يسعل بشدة وهو يدخل إلى آخر المركب حيث المحرك، يصرخ فيمن يبدو أنه مساعده أن يأتيه بجركن جاز ليشغل المحرك ويخرج من هنا، يدور المركب ويذهب بنا إلى عرض النيل في اتجاه الريح بعيدًا عن سحب الدخان القوية، نرتمي على المقاعد نلتقط أنفاسنا.. في الأفق، أرى السيارات مكدسة فوق كوبري قصر النيل، والصف الأسود الطويل يطوقه من بدايته لنهايته.. يواصل المركب إبحاره، أحدهم بصحبة خطيبته على ما يبدو يسأل المراكبي “على فين؟” ينظر حوله “مش عارف، المهم بعيد عن الدخان”..

. . .

 

Advertisements


إلى لويز مع حبي
August 21, 2012, 11:51 pm
Filed under: Uncategorized

حلمت بلويز إردريك مرة أخرى.

كانت ترفل في ثوب بيتي مزركش بزهور باهتة تطير في الهواء. تأتي من ممر مظلم، تتبختر، على وجهها الابتسامة المتعبة التي لا تليق بتقاطيع الوجه الهندي المجعد كوسادة حجرية. هي الآن امرأة ناضجة، على مشارف الخمسين، أخمن أنها أيضًا جدة. رغم الحادث المأساوي لانتحار زوجها السابق، إلا أني لن أخاف من مصارحتها بحبي. لا أدري كيف سأقول هذا، هل سأبدأ بالحديث عن روايتها “لويز الجميلة.. روايتك رائعة، لم اقرأها، لكن لأنكِ أنتِ رائعة، الرواية غير مترجمة، وأنتِ كما تعلمين أنا لا أجيد الإنجليزية الأمريكانية حتى الآن بشكل يؤهلني لقراءة قصة قصيرة، لكني سمعت صوتك المبحوح، آه، تلك البحة المثيرة، سمعتك في شريط كاسيت تسردين فصول نادي الجزار الماهر، لم أفهم شيئًا، لكن توحدت بحكيك، تأثرت جدًا بتلوين صوتك، لستِ ماهرة في ذلك على أي حال، لكن أنتِ فاتنة بشكل خرافي لويز، هناك غلاف لإحدى رواياتك مع زوجك الجديد، زوجك في الصورة ينظر للكاميرا بدهشة، يبدو أبله جدًا، لم أحبه، لكن أنتِ فاتنة، لاحظتي اضطرابي لاشك، أفكاري غير مترابطة منذ الصباح ولا أستطيع التركيز في أي شيء، أشعر أني مكرر وممل، اعذريني، سأنصرف الآن، ربما تودين زيارتي، انتظرك في أي وقت لكن اتصلي قبلها. فيجي وأنا نقبلك يا عزيزتي، باي”.

. . . .



شيء ما يحدث ليس طبيعيا
August 21, 2012, 9:42 pm
Filed under: Uncategorized

رأى يومًا – إذ هو مطمئن إلى كرسيه على الطوار – عمالاً يملئون الطريق، يرشون رملاً أصفر فاقعًا يسر الناظرين، بين يدي موكب خطير. ولأول مرة في حياته يستثير دهشته شيء فيتساءل لماذا يرشون الرمل؟ ثم قال لنفسه إنه يثور فيملأ الخياشيم ويؤذي الناس، وهم أنفسهم يرجعون سراعًا فيكنسونه ويلمونه، فلماذا يرشونه إذاً؟، وربما كان الأمر أتفه من أن يُوجب التساؤل أو الحيرة، ولكن تساؤله بدا له كأخطر حقيقة في حياته وقتذاك، فخال أنه بصدد مسألة من مسائل الكون الكبرى، ووجد في عملية الرش أولاً والكنس أخيرًا والأذى فيما بين هذا وذاك حيرة أي حيرة، بل أحس ميلاً إلى الضحك، ونادرًا ما كان يفعل، فضحك ضحكًا متواصلاً حتى دمعت عيناه، ولم يكن ضحكه هذا محض انفعال طارئ، فالواقع أنه كان نذير تغيير شامل، خرج به من صمته الرهيب إلى حال جديدة، ومضى يومه حائرًا أو ضاحكًا، يحدث نفسه فيقول كالذاهل: يرشون فيؤذون ثم يكنسون.. هاهاها!.

. . . .

نجيب محفوظ – من قصة “همس الجنون”..



مجاز
August 10, 2012, 8:01 pm
Filed under: Uncategorized | Tags:

كنت أتجول في السوق القديم، تطاردني رائحة التوابل والخشب المبلول والسمك المشوي واللحم النيئ، من زقاق لآخر.. رن هاتفي “ألو، إزيك”، كان صوتها مرتعشًا، “زوز؟” “وحشتني”، “عايز أقابلك إنتي هنا”، ردت ضاحكة “بس إنت متضمنش” وأغلقت الهاتف أو فصل شحن منها.