تجريب


ذهنية الطائفة لدى الإسلاميين.. الإخوان نموذجا

من لا يعرف الإخوان والسلفية، أي من لم يمر بتجربة الانخراط في صفوفهم في أي مرحلة عمرية، لن يفهم أن الإخوان أو السلفيين كيانات قائمة بذاتها، مغلقة على نفسها، غير منفتحة لا على الصعيد الفكري ولا الاجتماعي، والاجتماعي هو الأهم هنا يليه الفكري.

قناعاتك – أيا كنت وأيا كانت – من المفترض أن تكون دوما عرضة لتطور أو تغيير، أي تأثير يزحزحها عن ثباتها، ولو حتى بتقدم العمر، ولو حتى بمراجعة مع شخص يختلف معك فكريا، هناك حتما تغيير يطرأ لأي سبب.

العزلة الاجتماعية تجعل الخبرة الفكرية تتطور داخليا، ومنظور رؤيتك تشاركه مع أمثالك ممن ليسوا أقل عزلة منك. ستصل في النهاية لنتيجة محدودة ومؤطرة ولا تتجاوز السقف المسموح لك به، دينيا أو تنظيميا – أي اجتماعيا – .

قبل أن يعلن مرسي عن قراراته الكارثية، صدرت الأوامر لأفراد جماعة الإخوان المسلمين بالتحرك لقصر الاتحادية لتأييد الرئيس على قرارات غير معروفة للرأي العام.

وهنا ملاحظة مهمة فشخ: هل تسربت قرارات الرئيس المصري لجماعة الإخوان قبل أن يعرف عنها الشعب شيء فحركوا أتباعهم؟، وهل شاركت الجماعة في صياغتها أو التوجيه لها، أو حتى الاطلاع عليها – وهو الأمر الذي لم يتسنى لغيرهم – ؟!

تصرف الرئيس إذن داخل جماعته، الذين يعرفهم ويألفهم، وحتى حين خرج – بعد ليلة طويلة من الاحتجاج العنيف –  فهو لم يبالي بمخاطبة “الشعب” عبر الإعلام الرسمي، بل خرج ل “أهله وعشيرته” المنتظرين طلّته خارج قصر الاتحادية. هو حديث داخلي، يقتضي بالضرورة إنكار أي حق للآخرين، إن لم يكن اعتبارهم أعداء، أو أي معنى قريب من ذلك.

غير غريب أيضا ما لاقته القرارات الكارثية من ترحيب في أوساط الإسلاميين عموما، مع اعتقادي يقينا أن بعضهم لم يفهمها أو يسمعها بالكامل.

هذه ذهنية طائفية بحتة: كبير الطائفة اتخذ قرارا ما، عظيم، لكن الآخرين رافضين له، أوغاد.

حتى من فهموها أيدوها وبإصرار، أغلبهم اعترف أنها ربما تكون استبدادية بعض الشيء لكنه لن يستبد.. هذه أيضا ذهنية طائفية. ثقة مبعثها أنه منا، ابن طائفتنا، وإن أضر بالجميع لن يضرنا حتما.

رغم أن الإسلاميين يعرفون – وللمفارقة – أن الله تعالى يقول: “إذا تداينتم بدين فاكتبوه”، وآيات الدَين تأمر الطرفين بكتابته مهما كانت ثقة الطرفين في بعضهما، بينما أنت هنا تتحدث عن دولة كاملة، تجعلها رهينة لتقوى الحاكم، أحه يعني!

من اليوم الأول لتنصيب مرسي ديكتاتور مطلق، استهلكنا نقاش كبير يدور حول بديهيات، وإعادة تعريف مصطلحات استقر على تعريفها العالم بل وبدأ في تجاوزها، ما الدولة، ما الاستبداد، ما السلطات الثلاث.. حوار عبثي لكنه لا يشغل الآخرين الذين يتحركون في سياق طائفة تعتقد أنه تجمعها صداقة ما بالله.

أنصار الرئيس مرسي من جماعة الإخوان في تظاهراتهم المؤيدة لقراراته أمام قصر الاتحادية | رويترز



الدولة البائسة.. هوامش على أحداث شارع عيون الحرية

منذ أيام، كتب صديقي وزميلي الذي عملت معه لأعوام على حسابه الشخصي على فيسبوك يطالب بـ “جز أعناق” هؤلاء الذي يتظاهرون ضد هيبة الدولة في شارع عيون الحرية (محمد محمود سابقًا).

ينتمي زميلي لحزب الحرية والعدالة، ولا أدري هل ينتمي للإخوان كجماعة أم لا، فلم ألحظ خلال صداقتنا الطويلة أي ارتباط له واضح بجماعة الإخوان.

كان صديقي سبق وأبدى ندمه – إبان الانتخابات الرئاسية – على التخلي عن “الثوار” في معركة محمد محمود الأولى والثانية ومعركة مجلس الوزراء، قال إنه اكتشف أنهم كانوا محقين وأن المجلس العسكري لا أمان له وأنه يمثل بالفعل الثورة المضادة بل وأصبح يردد يسقط يسقط حكم العسكر.. وبالمناسبة، انتشرت هذه الفكرة لدى الإسلاميين في فترة ما قبل الانتخابات الرئاسية بأيام بسيطة، ثم تبددت تدريجيًا بعد نجاح مرشح الإخوان، حتى وصلت إلى مرحلة المطالبة بـ “جز رؤوس المتظاهرين”.

عمومًا، لم يكن النظام السابق يملك أي أطروحات فكرية يعضد بها أركان حكمه، لم يكن حزبًا عقديًا كحزب البعث في سوريا أو العراق، ولم يكن حزبًا له أيديولوجية واضحة أو مرجعية فكرية معروفة، كان عبارة عن تجمع خليط من رجال الأعمال وممتهني السياسة والكتّاب والمفكرين الذين يعملون على التنظير لأي هراء يقوله النظام..

كان هذا بالمناسبة امتداد أكثر رداءة لنظام يوليو الذي قضى سنوات طويلة في محاولة للتعريف بأيدلوجية وهمية لم يبق منها سوى مئات الخطابات للبكباشي جمال عبد الناصر، هذه الخطابات التي تلقفها أتباع النظام الناصري يحاولوا عنوة صياغة نظرية ناصرية منها.

لم يكن يجمع رجال النظام السابق إذن سوى شبكة من المصالح، ولم يكن النظام نفسه يؤمن بشيء ولا يُروج لشيء حقيقي، ليس سوى بعض الأكاذيب التي تضمن بقاءه في السلطة.

بقدوم الإخوان المسلمين للسلطة، أصبحنا أمام نظام مستبد، باعتبار أن المعنى الدقيق للاستبداد هو فرض السيطرة الكاملة وتدعيم أركان الدولة المركزية، هذا النظام جاهز بمفاهيمه وتفسيراتها والقدسية التي تحمي المفهوم وتفسيره على حد سواء.

لم يكن الإسلاميين ثوريين بطبيعتهم، بل كانوا يميلون لما يُسمى بالنهج الإصلاحي، الذي يعني بالضرورة إمكانية دائمة للتعامل مع الوضع مهما كان سوءه ودون رغبة حقيقية في التغيير الجذري، أيًا كان.. نتحدث هنا عن الإخوان تحديدًا دون غيرهم من القوى الإسلامية التي تضم تيارات أكثر راديكالية مثل السلفية الجهادية التي تقوم أدبياتها على التغيير الجذري والحاد.

لم يغير الإخوان شيئ ولن يغيروا في المدى القريب.

الإسلاميين أيضًا – بالعموم – ليسوا ديمقراطيين، وإن اضطر فصيل منهم لخوض غمار العملية الديمقراطية فلأن ذلك كان من متطلبات مواجهة نظام مستبد وقمعي، تضطر أن تواجهه بنفس القواعد وأن تزايد عليه فيها، مثل أن تدعي أنك أكثر ديمقراطية وتطالبه بأن يترك الحكم للصندوق.

والإخوان حتى إن تمكنوا – كفصيل إسلامي – من مقاليد الحكم سيتظاهرون أنهم يدعون الناس للتصويت بحرية في ظل الحكم الإسلامي، (اتقاءً لغضب القوى المدنية وكي لا يصطدموا بقناعات رجل الشارع البسيط) لكنها ستظل ديمقراطية منقوصة لأنها ستتحول في خطب الجوامع إلى معركة بين كفر وإيمان كما شاهد الجميع.

بالتالي من غير المتصور، أن يصل الإسلاميين للحكم، ثم يقبلون ببساطة الدخول في تجربة لتداول هذا الحكم مع وجود احتمالية أن يسقط في يد العلمانيين الكفرة.

نقطة أخرى مهمة: لم تعرف الدولة الإسلامية التاريخية تجربة للرقابة على السلطة، ولا تحدثت كتب التاريخ عن أي آلية بهذا الخصوص، سوى بعض القائلين للحاكم: اتق الله.

بالتالي كان مجرد انتماء الحاكم للإسلاميين، سببًا أصيلاً في استماتتهم للدفاع عنه، متجاوزين عن تقصيره دائمًا.. هم لن يعارضوه إلا من باب العتب أو ذر الرماد في عيون المعارضين العلمانيين.

هذا إن لم يعتبر الإسلاميين معارضة رئيسهم (خليفتهم) في شؤون تتعلق بالمتطلبات المعيشية البحتة للناس هي محاربة للدين ومؤامرة على الإسلام، وهو ما حدث بالفعل.

دانت السلطة إذن للإسلاميين، بغض النظر عن الآلية أو الثمن أو حتى الوعود التي اتضح زيف كثير منها.. وأثبتت تجربة حكمهم القصيرة لمصر أن العداء السياسي يتحول بالضرورة لعداء عقدي، يجعلهم يحرضون على انتهاك حقوق المخالف لهم بأعنف الطرق (جز العنق).

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الدولة الإسلامية التاريخية لم تعرف أي مفهوم يتعلق بـ”المواطنة” أو قريب منها، نفهم أن غير المسلمين قد عانوا تمييزًا حادًا في كل شيء حتى تطبيق الحدود، ما بالك بالكفار الذين لا دين لهم أصلاً؟.

فعلى سبيل المثال: دية قتل المسلم لغير المسلم لا تتساوى أبدًا مع دية قتل غير المسلم للمسلم..

وحد جلد غير المسلم الذي سب مسلمة، لا يتساوى أبدًا مع حد المسلم الذي سب غير المسلمة، بل الراجح حسب جمهور العلماء في كتب الفقه أن سب غير المسلمة لا يوجب الحد أصلاً!.

هذا فيما يتعلق بغير المسلم أي الذمي، ما بالك بمن تراه الدولة الإسلامية كافرًا؟، بالطبع ليس أقل من حز العنق، ليس حتى المطالبة بمحاكمته وتقصي أسباب تمرده وغضبه، بل حز عنقه فورًا لأنه فقط جرؤ على تحدي السلطة والتصدي لانتهاكات ميليشيا الداخلية وإعلان احتجاجه على عدم نيله لحقوقه، رغم كل وعود مرشح التيار الإسلامي الذي وعد وأخلف.

ما نعيش فيه جميعًا هي دولة بائسة، يحكمها نظام مثير للشفقة، يسعى لحتفه دون محاولة لتفادي الانزلاق نحو الحافة.. نظام سلطوي لديه ثقة متبادلة مع أتباعه، وقبلها الثقة في جهل الشعب الذي يسهل خداعه بشعارات دينية تداعب حسه الديني لكنه بدأ يشعر أن الإسلاميين “بيشتغلوه”.

في مصر، هناك الكثير من الغضب والإحباط، وهناك انطباع واضح يسود أن الإسلاميين فشلوا في تحقيق حتى حالة من الاستقرار، لا نتحدث عن أي تقدم يُذكر، فقط توفير حالة من الاستقرار وفرها النظام السابق نسبيًا.

الفارق أن النظام السابق وفر حالة استقرار مصحوبة بيأس مطبق من التغيير، وكنا نأمل أن يوفر النظام الحالي حالة من الاستقرار لالتقاط الأنفاس مصحوبة بأمل في التغيير ولو بمعدل بطيء.

نحن في بضعة شهور انتكسنا عقودًا للخلف، ولو على صعيد المفاهيم التي فرضتها مرحلة ما بعد 11 فبراير 2011، بينما يبشر الدستور الرديء الذي يُكتب بمزيد من تكريس مفاهيم تضمن تخلفنا مئات السنين.

جنود الأمن المركزي يقذفون المتظاهرين بالحجارة من مبنى مدرسة ليسيه الحرية بشارع محمد محمود سابقًا | رويترز

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استدراك 23-11-2012 :

دستور مرسي المؤقت واضح أكثر مما ينبغي، وعبثي أكثر مما ينبغي. هذه هي بالضبط الدولة البائسة التي نتكلم عنها.

لكن عموما، الذين يتكلمون عن فكرة “ديكتاتور مؤقت”، هي فكرة بلهاء وعبثية تماما.

انتُخِب هتلر ديمقراطيا ثم تحول حكمه إلى أشهر ديكتاتورية في التاريخ يتحكم فيها عقل ملتاث.

لا تقوم الدول على ضمانات شفهية أو كلمة شرف، خاصة من شخص هو يحمل صلاحيات نفي كل ما قاله والانقلاب على كل ما وعد به بقوة الدستور والقانون.

ما أصدره مرسي من إعلان دستوري يمكنه ببساطة من أن ينيك البلد، أن يبيع البلد، أن يقتل الشعب وهو آمن تماما من العقاب، هذه حقائق وليست مجازا.

رئيس غلّف أحكاما ديكتاتوريا بامتياز ببعض الرشاوي للشهداء وأسرهم.

قرر أيضا محاكمة قتلة الثوار، عظيم، لكنه لم يعيد هيكلة الداخلية وتطهيرها، وهي المعنية بجمع الأدلة التي تُدين القتلة، وكانت سببا في تبرئة قتلة مباشرين للشعب.

المحاكمات الجنائية أيضا مقيدة بقانون إجراءات جنائية لا يَسمح للمدعي بالذهاب إلى أبعد من الحكم الذي صدر على المخلوع: التقصير في حماية المتظاهرين.

بديهيات قانونية يعرفها البعض، خاصة الذين يخوضون صراعات على أراض في الصعيد ووجه بحري: في المعارك الكبيرة وأيا كان الذين يسقطون قتلى، في الغالب يُطلق سراح المقبوض عليهم تحت مبرر “شيوع الاتهام”؛ لذلك حين يخوض طرف ما صراعا يحرص على أن يكون ضمن مجاميع؛ لأن الجميع يعرفون هذه البديهية.

أيضا في جرائم القتل، حين تعثر على دليل القتل، تحتاج للربط – بشكل مباشر – بينه وبين من يُتهم بأنه القاتل. بالتالي كان الحل هو فكرة العدالة الانتقالية التي تحدث عنها البعض.

المفارقة أن من يتحدث عن حماية الرئيس “الإخواني” للثورة، ينسى أن الإخوان ليسوا ثوريين، لا على صعيد النظرية والأدبيات ولا على صعيد التطبيق. في موجات الثورة التالية التي وُجهت بالأساس لاستبداد المجلس العسكري، أخذ الإخوان صفه، ثم انقلبوا عليه حين ارتأت مصالحهم ذلك وتصاعد التراشق اللفظي بين الطرفين، وربما تلاقيا بعدها في تفاهمات ما غير معلنة.

ليس هناك معيار عند الإخوان تحديدا لما هو ثوري وما هو غير ثوري، ليس إلا مصالحهم حسبما رأينا ونرى. وفي كلا المعسكرين “الثائرين” الذين رأينهم، عند الاتحادية وفي شارع عيون الحرية، سنعرف بالضرورة أن الرئيس الذي احتكر حماية الثورة دون معايير ولا ضوابط سيميل لأي الطرفين.

أيضا أنت أمام أهم استحقاق للوطن، كتابة الدستور، لا تعلم ما الذي قد يحويه، وهل الضمانة التي منحها آية الله المرسي لإخوانه أن يكتبوه منفردين سيرسخ لحكمه وحكم إخوانه من بعده أم لا؟!..

إعلان آية الله المرسي الدستوري، يعطي الجمعية التأسيسية حق كتابة الدستور ولو ظل فيها شخص واحد، والذي سيكون بالضرورة إخواني، لا توافق ولا اتفاق ولا خرا.

فكرة أن يقبل الإسلاميين بالاستبداد المطلق الذي حمله إعلان مرسي الدستوري، في جانب منه هو قبول بالدولة الإسلامية التاريخية التي تعطي للحاكم بأمر الله أو الخليفة السلطات المطلقة، دون أي آلية لمراقبته ومحاسبته، وهؤلاء الذين وقفوا لمؤازرة الديكتاتور عند قصر الاتحادية هم أنفسهم أنصار السلطان أو الخليفة قديما، وهم الذين أودوا بالإمبراطورية الإسلامية قديما.

هؤلاء الذين لم يثوروا بالأصل على المخلوع مبارك – رغم أنه كان أقل استبدادا وفق الذي حدث – سيقبلون بحاكم مطلق لمجرد أنه “إسلامي”، يستطيع أن ينيك زوجة أحد الأخوة – وفق صلاحياته الجديدة – دون أن يملك الأخوة من أمرهم شيئا.