تجريب


بعض البديهيات عن الإسلاميين والفلول

17535738.cms

لا يجب أن يلوم الإسلاميين أحدًا غيرهم على دخول “الفلول” إلى المشهد مرة أخرى.

حين تولوا السلطة التشريعية بأغلبية واضحة، أغفلوا سن تشريعات تتعلق بعزل الفلول.. فعلوها في اللحظة الأخيرة فقط حين دخل شفيق وعمر سليمان سباق الانتخابات الرئاسية؛ أي لأهداف تتعلق بمكاسب انتخابية وليس قصاصًا ممن أفسدوا مصر لعقود أو استجابة لمطالب الثورة.

أغفل النواب الإسلاميون المؤذنون المتوضئون إصدار قوانين لمحاكمة الفلول سياسيًا بعيدًا عن قصور المحاكمة الجنائية.. محامي نقض مغمور كان يستطيع تبرئة مبارك والعادلي ومساعدوه من تهم قتل المتظاهرين بكل بساطة، هذه هي الحقيقة!؛ عجز القضاء الجنائي عن محاسبة قتلة الثوار موضوعي للغاية، يبدأ من نصوص قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية ولا ينتهي بقصور آليات البحث والتحري وجمع الأدلة والمعلومات، وهو موضوع يزداد صعوبة كلما كان هناك شيوع في الاتهام وقتلى سقطوا في أجواء اضطرابات واسعة كالتي شهدتها الثورة.

إقصاء الفلول أغفله الإسلاميون أو تغاضوا عنه مرة أخرى حين وصل رئيسهم لسدة الحكم؛ لم يسع لتطبيق أي آلية من آليات العدالة الانتقالية لضمان عدم ارتداد مصر إلى حالة الصراع مرة أخرى مع قوى “الثورة المضادة”.

اكتفى الإسلاميين بإجراء تفاهمات مع “الفلول” أحيانًا أو استخدامهم كفزاعة وتهمة جاهزة من حين لآخر.

وكنوع من تخدير الرأي العام، اكتفى الرئيس التافه محمد مرسي بمادة ضمنها إعلان دستوري كارثي تقضي بإعادة المحاكمات، وكانت خدعة مبتذلة لا تنطلي على طالب أولى حقوق لأن المحاكمات تمت بالفعل في إطار قانوني لا يسمح بأقصى مما صدر من أحكام براءة أو إدانة.

كما أن التعويل على ظهور أدلة جديدة، وهو السبيل الوحيد لإعادة المحاكمة وفق قانون الإجراءات الجنائية، كان يتطلب تطهير الداخلية والإطاحة بمن أخفوا الأدلة في السابق وهو ما لم يفعله العرص مرسي.

أضف لذلك صعوبة محاكمة شرطي يرتكب جريمة ويكون زملائه هم أنفسهم المعنيين بجمع الأدلة لإدانته!.

بل إن الإسلاميين حين هوجموا بسبب تقاعسهم عن القصاص من قتلة الثوار كما زعموا، لجئوا إلى حجة أسخف، وهي أن القضاء ليس نزيهًا!.

ليس ذنب القوى الثورية أو المعارضة أن مطالبهم تقاطعت مع الفلول؛ لأنها سبق وتقاطعت مع الإسلاميين، حين وقفوا صفًا واحدًا – الإسلاميين والفلول – لدعم ديكتاتورية المجلس العسكري مثلاً.. لكن نبرة اللوم التي يوجهها الإسلامية للثوار أن صفوفهم اختُرقت من الفلول، لهو أبضن اتهام سمعته في حياتي وأكثره صفاقة في الحقيقة.

الإسلاميين أيضًا فلول.

Advertisements


فلما كانت الحرب الأهلية.. عن معركة المفاهيم التي تأجلت كثيرا

حتى حلول مساء يوم الأربعاء 05-12 لم أكن أعرف بالضبط ما يدور في الخارج حتى سمعت عصام العريان على شاشة الجزيرة والمذيعة تسأله عن كيفية الخروج من الأزمة، فإذا به يصرخ في الشعب أن ينزل ليحمي ما أسماه الشرعية عند الاتحادية، كررها عدة مرات بشكل هستيري. أعطاني هذا تصور مبدئي عما يدور هناك.

حين أوقفت التاكسي وقلت الخليفة المأمون مصر الجديدة، رفض السائق فقلت له “من بعيد لبعيد يا معلم”.

نزلت عند مدخل الخليفة المأمون. في بداية الشارع كانت الأجواء متوترة، المتظاهرين يحاولون تأمين المدخل لكن عددهم ليس بالكثير. توغلت حتى وصلت إلى خط التماس بين الطرفين.

سترى الآن، شارع شبه مظلم. حشود كبيرة نسبيا للرافضين، في مواجهتهم جحافل من المؤيدين تضم أشخاص ملتحين وإخوان.

كانت الحرب دائرة في شكل تراشق بالحجارة بين الطرفين، انخرطت مع المدافعين عن مواقعهم في منتصف الشارع وتقدمنا عدة مرات بالفعل. كان الإخوان يتقهقرون لكن لنقطة محددة، وكان الاتحادية يلوح في أفق مظلم نسبيا يحوطه مئات الأشباح.

لو كانت هذه حرب أهلية، فهي عبثية ومضحكة. المسافة الواسعة بين الطرفين تجعل الجميع خارج مجال قذف الحجارة، وفي كل مرة عليك التقدم وحدك أو بمجموعة صغيرة لقذف الحجارة التي تضمن أنها ستصيب المتحمسين الذين يقودون الجمع في المعسكر المضاد.

ضربت الحجارة بكثافة على معسكر الأعداء حتى انخلع كتفي مدافعا عما أتصور أنه خياراتي ومدافعا عن حقي في وجه السلطة التي اختاروا الانحياز لها، ما كان يثير حنقي هؤلاء الذين يتراجعون ويكشفون ظهرنا حين نوشك على التقدم.

بين معسكر المؤيدين كنت أرى رجالا تجاوزوا الأربعين يقذفون الحجارة، هناك ملتحين أيضا يقفزون في الهواء بجلابيبهم لرشق الحجارة. ضحكنا جدا.

على إثر إصابة طفيفة في ركبتي تراجعت للخلف كي أتفقدها، وحين عدت وجدت معسكر المؤيدين يرفعون أيديهم في الهواء ويقتربون، من أسميهم بكل أريحية معسكر الثوار بعضهم رفع يده أيضا، التقى الجمعان ودار نقاش عشوائي بين الجميع، هدوء وحدة وتلويح بالأيادي وطبطبة على الأكتاف، يتخلل ذلك قذف الحجارة من حين لآخر من بعض الأشخاص في الصفوف الخلفية. لكن الرفض من الثوار كان عنيفا فانهارت الهدنة الهشة وتراجع الجميع مرة أخرى إلى مواقعهم واستأنفوا الحرب. انتبهت إلى أنني صرت في معسكر المؤيدين فتراجعت بينهم حين رأيتهم يسحلون شاب صغير يوسعونه ضربا، اقتربت وحاولت فضهم بالصراخ أنه أعزل، لكن شخص ملتحي كان يزيح الجميع ليضربه بجنون وهو يصرخ بهستيرية “هاتوه هاتوه”. أمسكت الملتحي من ذراعه وجذبته بعيدا كي يكف عن الضرب، كانت عيناه جاحظتان والعرق يغرق جبهته وعلامات الجنون ظاهرة على وجهه وكان يلهث بانفعال شديد، عرفت حينها شيء عن أعراض المرض النفسي العصابي.

ضرب شخص أعزل بهذه الوحشية من جمع أحاط به وشل حركته – حتى ولو كان هذا الجمع يمثل القانون ويحتكر بموجبه العنف، كالبوليس – غير مقبول أصلا، ما بالك بمن يدعي أنه يعتنق منظومة قيمية مفترض أنها تجرّم التعذيب والاعتداء على الأسير والأعزل.

توغلت خلف ما يوصف بخطوط العدو، كان حشد الأعداد كبيرا بالفعل، والوجوه أغلبيتها العظمى ريفية.

ما يمكن أن تراه في جمع أغلبه إخواني هم أشخاص يشبهون بعضهم لحد كبير، لحد مدهش في الحقيقة.

نمط الزي واحد تقريبا، ملابس كلاسيكية، تقليدية للغاية. أيضا اللحى الخفيفة وتسريحة الشعر العادية. تستطيع تميز حشود الإخوان بمجرد النظر إليهم.

كان هناك أربعينيون وأشخاص كبار في السن لحاهم بيضاء يبدو أنهم قادة “الأسر” أو “الشُعب” الموجودة، كانوا هنا كقادة ميدانيين يديرون المعركة، بل إن بعضهم كان يجمع الحجارة من عند قضبان مترو مصر الجديدة ويعبئونه في أجولة لنقله لصفوف القتال الأمامية. خفت التقاط صور كي لا ينتبه أحد، كنت أعي أيضا أني في بيئة معادية، لم أجرؤ حتى على إشعال سيجارة بينهم.

لكن حزنا عميقا تملكني أن يدفع هؤلاء الذين ينظرون لأنفسهم كقياديين في الجماعة بهذا الشباب الصغير كي يقتل نفسه بينما هم في الخطوط الخلفية يدردشون ويشربون الشاي. تحكموا في شباب صغير لدرجة طريقة الفهم واللبس وقصة الشعر. أصبح شباب الإخوان نسخ مكررة من بعضهم، ونسخ مكررة من قياداتهم.. داهمني شعور شديد ببؤس هذه الأجواء، بما يمكن أن ينال من حريتي بشكل حقيقي إن فرض هؤلاء عليّ قناعاتهم، وهو برأيي ما كانوا يفعلوه هنا، يريدون الجميع مثلهم، بأفكارهم وقناعاتهم ومفاهيمهم وحتى طريقة لبسهم، ولو اضطروا لاستخدام العنف. إنها جماعة نازية.

* * *

لا يحتاج الاستبداد – كفكرة بدائية – إلى خلفية معرفية، باعتباره مفهوم قائم على الاستسلام للغرائز، مثل الانتشاء بالقوة والرؤية الأحادية، بينما تحتاج الحرية – كمفهوم – لقدر ولو بسيط من المعرفة كي تتفهم معنى حق الإنسان في التظاهر والتعبير عن الرأي، وأن الشخصيات العامة معرضة للنقد لأقصى درجة، وأن السلطة لا تحتاج لمؤيدين لأنها تملك قوة القانون والأجهزة الأمنية التي تجعلها قادرة على فرض قراراتها دون الحاجة لمدنيين يخوضوا حربا أهلية مع مواطنين مثلهم. فمتى تفهم الجماعة أنها في الحكم وليست في المعارضة؟، وأنه من غير المنطقي أن تشغل ذات المكانين، السلطة والمعارضة؟، هذا إقصاء اعتمده النازيون والفاشستيون وغيرهم من النظم البائدة.

تحديدا ما يتعلق بما يُسمى إهانة الرئيس، ستجد مؤيدين مرسي من الخليجيين ينتقدون هذه الجزئية تحديدا، هؤلاء لا يعرفون الرئيس الموظف، بل تربوا على تأليه الأسر الحاكمة؛ هم دائما تحت وطأة التقديس دون النظر لاعتبارات أخرى كالمساءلة والرقابة والمحاسبة، ناهيك عن حرية الرأي والنقد والتعبير، وناهيك أيضا عن الرؤية المستدعاة من الدولة الإسلامية التاريخية التي لا تتحدث عن رئيس موظف، بل عن خليفة للمسلمين وقائد للأمة إلى آخر هذا الهراء.

في هذا السياق تحديدا يقول ابن حزم: “من تصدر لخدمة العامة، فلابد أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس؛ لأنه لا محالة مشتوم، وإن واصل الليل بالنهار”..

كما لا يقر أي قانون أو منطق أن يُقتل شخص ما بسبب سُبة.. هاجم الإخوان معتصمي الاتحادية زاعمين أنهم كتبوا عبارات وصفوها بالمسيئة للرئيس على سور قصر الاتحادية، أحه!.

هذه مفاهيم كنا نظن أننا شيعناها إلى مزبلة التاريخ.

مثلها أيضا مفهوم احتكار الحديث باسم “الشعب”؛ وفي الحقيقة استغرب من يجرؤ عن الحديث باسم الشعب. هذا مفهوم من ميراث استبداد ضارب بجذوره في تاريخنا وثقافتنا.

وحتى لو كنت في موقع السلطة وأردت أن تتحدث باسم الشعب، عليك بدايةً أن تجيب عن إشكالية قديمة: “عمن تعبر السلطة في المجتمع؟”. حتما ليس الجميع، ما بالك برئيس جاء بأصوات 15% فقط من الشعب على أفضل تقدير (بحساب المصوتين لخصمه والمقاطعين واللامباليين أصلا وهم أيضا شعب).

الشعب، مفهوم غامض، استغلته الأنظمة السلطوية للتعبير عن كيان معنوي لا وجود له.

وفي تحليل الباحث د. شريف يونس لمفهوم “ديكتاتورية الشعب” الذي نحته عبد الناصر، رغم أن الشعب وقتها لم يكن ممثل في أي من مؤسسات الدولة، خلص إلى نتيجة مفادها أن: “ديكتاتورية الشعب هي إقامة وحراسة فراغ سياسي يُسمى الشعب”. (نداء الشعب.. تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية، ص 99).

الجميع شعب، والفرد أيضا شعب.

* * *

يتحدث من يدعمون الديكتاتور مرسي عن فكرة أنه لا يليق بالرئيس التراجع وإلا انهارت مش عارف إيه.. مثل يسري حماد الذي يتحدث ل السي بي سي بينما أكتب هذا الكلام.

هذه فكرة لا تستحق النقاش، هؤلاء ولاد متناكة لن يفهموا أي شيء أبدا.

ما أسفرت عنه معركة الأمس، تؤكد – لديّ على الأقل – ضرورة حل جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية كلها، واستبعاد قياداتهم من العمل السياسي بتهمة إفساد الحياة السياسية ومحاكمتهم على استخدام العنف ضد المتظاهرين، الأهلي والشرطي، والتحريض ضدهم لحد تكفيرهم.

* * *

ما تفوق فيه مرسي على المخلوع هو استحضار التجربة الناصرية بتفاصيلها، تحصين قرارات السلطة المؤَيَدَة ببعض الشعبية – وفي مرحلة استثنائية لها ظروفها – وحشد الأنصار الذين وقف آباءهم وأجدادهم ذات يوم من عام 54 يهتفون “تسقط الحرية”، كان ذلك قبل أن ينقلب نظام يوليو على الجميع وقتذاك بما فيهم الإخوان الذي وقفوا إلى جوار عبد الناصر.

محاولة للسيطرة على الحكم بعد استغلال الديمقراطية لمرة واحدة بإصدار إعلان دستوري ملكي، وضمان استمراره بدستور بائس كان مفترض أن ينص على حقوق المواطن وينحاز إليه ضد السلطة، رغم ذلك صدر تحت حماية السلطة نفسها!..

الإخوان يطبقون التجربة الناصرية، بما يشمل ذلك استخدام العنف، الفارق أن نظام يوليو لم يكن لديه أنصار بهذا الحجم معتنقين لأيديلوجيته الغير موجوده أو الهلامية. الجماعة هي نمط يشبه لحد كبير الحزب النازي.

* * *

يذكر التاريخ أنه قبيل انقلاب يوليو وكانت البلاد تغلي زار المرشد “حسن الهضيبي” الملك مؤكدا ولاء الجماعة للقصر.

بعد الانقلاب ساند الإخوان عبد الناصر، ووقفوا إلى جواره حين اندلعت تظاهرات تطالب بعودة الأحزاب، لدرجة أن خرج مرشدهم “الهضيبي” يتساءل: “عن أي أحزاب يتحدث هؤلاء؟”.

فيما بعد صدر القرار بحل جماعة الإخوان، واعتقل الآلاف من أعضاءها، مثلما اعتقل غيرهم من أحزاب الشيوعيين والوفد ومصر الفتاة..

يذكر التاريخ أيضا أن “الهضيبي” أُوقِف بعد تصفية الإخوان ليقود بفرع شجرة في يده الإخوان المسجونين في نشيد “يا جمال يا زعيم الوطنية”.

المدافعون عن خياراتهم | صورة أرشيفية من رويترز

صورة أرشيفية من معركة شارع عيون الحرية الثالثة نوفمبر 2012 | رويترز