تجريب


مياه ضحلة
September 12, 2013, 3:30 am
Filed under: Uncategorized

حضرت إلى المجلة مبكرا. لم آلف العمل هنا بعد ولا أعرف المواعيد اليومية أو اليوم المخصص لتقفيل العدد الأسبوعي، كان اليوم الثاني لي وفكرت في إعداد تقييم موقف عن الديموقراطية في مصر. المجلة متنوعة لكن تولي اهتمام خاص بصفحات الفن والمجتمع. ما لاحظته أنه لا يوجد كمبيوتر، كل محرر له مكان مخصص وأمامه بضع أوراق وقلم. تعرفت بالضرورة إلى مدام راقية رئيس التحرير وكانت سكرتيرتها حنان تجلس دائمًا بالقرب منها. لا يوجد مكتب لرئيس التحرير فمدام راقية تجلس على نفس الطاولة مع المحررين وتسود في الغالب حالة صمت لا يقطعها إلا محرر يقوم ليعود بكوب شاي أو نسكافيه. لم أعرف إن كان ما أكتبه سيلائم محتوى الصفحة السياسية للمجلة فناقشت مدام راقية في الفكرة. رفعت رأسها عن البروفات التي تراجعها وعدلت نظارتها الطبية ونظرت لي بعينين زرقاويتين حادتين. قلتُ إن الفكرة تنطلق في الأساس من أن تطبيق الديموقراطية وسط شعوب تعاني من منظومات تعليمية فاشلة وخاضعة لنفوذ الدولة لن تجدي، وسنظل ندور في دائرة مفرغة في مجتمع يعيش في كنتونات وتحرص كل طبقة أو فئة على تسييج محيطها وإنشاء جيل جديد خاضع لنفوذها ويرى العالم كما تعرفه وغير قابل للتجريب. لوحت بيدها وقالت اكتب أن مصر بانتظارها تجربة ديموقراطية وستضرب مثال للعالم وتنتظر التجرد من الجميع ووضع مصلحة الوطن نصب أعينهم، السياسيين والمواطنين على حد سواء. وختمت أنها تدافع أيضًا عن مصالح المجلة التي يجب أن تُرضي كل الكنتونات. لم أبالي بنبرة السخرية لأن اهتمامي في وسط الحديث اتجه لحنان. فتاة سمراء تبدو شديدة التناقض حين تجلس بجوار مدام راقية البيضاء القوقازية. شفتيها غليظتين وصدرها ناهد مرتفع مواجه لي ويبدو عليها الاهتمام بما أقول. لم أهتم بالتفكير في جدية قناعاتي مثلما حدث هذه الأيام. هذا النقاش – بداية – يبدو معزولاً عن أهمية أن يكون للإنسان قناعة ما، أقصد ثوابت أو أفكار غير قابلة للمراجعة والنقض، وبالطبع لك أن تظن ما تشاء. لكن الأشياء التي تضع حياتي على المحك، من حقي أن أراها مفهومة ومقبولة. والمشكلة أن الأفكار والأيدلوجيات لدينا تأخذ أبعادًا تعاظم أوهامها وتجعلها غير قابلة للنقد أو حتى النقاش فيما بعد. تأخذ طابع مجتمعي وتصبح سببًا للتقارب بين جماعات بشرية تكون هي الهدف نفسه لا الفكرة، بمرور الوقت يخفت الحس النقدي ويصير التسليم بالفكرة واجبًا بل ومعاداة من يفكر في تجاوزها. وعندئذ تنشأ شبكة المصالح العابرة للأيديولوجيات. كنت أحتضن وسطها بذراعي الأيمن وبيدي اليسرى أعتصر نهديها، لكن يبدو أني تعرقلت ففقدت تركيزي. شيء ما توقف عن العمل في الأسفل، وأنا محرج جدًا، وجل ما يدور في رأسي أفكار فلسفية. أحا. كانت مندمجة وانتبهت متأخرة لتعثري فرفعت رأسها وشدتني إلى الأريكة. مدت فخذيها على رجلي وابتسمت “يعني عمال تكلمني عن العلاقات المدنية العسكرية ولما جبتني البيت مش عارف تنط”. لنفكر سويًا أن المعرفة ليست نظريات نحفظها أو قواعد نعمل وفقًا لها، بل استعداد العقل لتقبل الأشياء البعيدة عن إدراكه أو استيعابه، مع الأخذ في الاعتبار أن ما أقوله رأي مجرد وليست له تجربة تدعمه؛ فأنا أتحدث من مياه ضحلة. وصلتنا حيث نجلس على الأريكة طرقات خفيفة على الباب، نهضت وعدلت البرا في موضعها وأشارت لي أن أجلس مكاني. فتحت الباب فاستيقظت. وفي فسحة بين الصحو والمنام أشعلت سيجارة. ربما كنت أجلس إلى جوارها على الأريكة نواصل حديثنا أو أني في السرير أحاول انتشال نفسي من وهدة النوم. كانت تداعب قضيبي بأطراف أصابع القدمين وكنت أفكر أني سأقوم وأحتضن وسطها وأعتصر ثدييها لكن تنتابني هواجس عميقة أن شيء في الأسفل لن يكون على ما يرام. أحسست فجأة بلسعة حادة في قضيبي وشعرت بالخجل من التصريح بهذا الألم المبهم في مكان غير معتاد. استيقظت فجأة فإذا السيجارة قد أكملت اشتعالها الذاتي بفعل مادة القطران حتى أحرقت ما بين أصبعيّ، ولم تكن في ذهني سوى صورة مدام راقية بعينيها الزرقاوتين ووجهها الممصوص وجسدها شديد النحول ويدها المعروقة فشعرت بالقرف.

Advertisements

Leave a Comment so far
Leave a comment



Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s



%d bloggers like this: