تجريب


أحلام فترة النقاهة – مختارات
November 30, 2013, 10:56 pm
Filed under: Uncategorized

8698_10152940608690556_1349877647_n

فى ظل نخلة على شاطئ النيل استلقت على ظهرها امرأة فارعة الطول ريانة الجسد وكشفت عن صدرها ونادت يزحف نحوها الأطفال لا يحصرهم العد وتزاحموا على ثدييها ورضعوا بشراهة غير معهودة وكلما انتهت جماعة أقبلت أخرى وبدا أن الأمر أفلت زمامه وتمرد على كل تنظيم وخيل إليّ أن الحال تقتضى التنبيه أو الاستغاثة ولكن الناس يغطون فى النوم على شاطئ النيل. وحاولت النداء ولكن الصوت لم يخرج من فمى وأطبق على صدرى ضيق شديد. أما الأطفال والمرأة فقد تركوها جلدة على عظم ولما يئسوا من مزيد من اللبن راحوا ينهشون اللحم حتى تحولت بينهم إلى هيكل عظمى، وشعرت بأنه كان يجب عليّ أن أفعل شيئا أكثر من النداء الذى لم يخرج من فمى وأذهلنى أن الأطفال بعد يأس من اللبن واللحم التحموا في معركة وحشية فسالت دماؤهم وتخرقت لحومهم ولمحنى بعضٌ منهم فأقبلوا نحوى أنا لعمل المستحيل فى رحاب الرعب الشامل.

* * *

كنتُ أتطلع إلى امرأة فاتنة تسير في الطريق، فاقترب مني بجرأة وهمس في أذني أنها تحت أمري إذا أمرت. كان برَّاق العينين منفرًا ولكني لم أصده، واتفقنا على مبلغ وأصر على أن يأخذ نصفه مقدمًا فأعطيته النصف وضرب لي موعدًا، ولكن عند اللقاء كان بمفرده واعتذر بتوعك المرأة وكان على أتم استعداد لرد المقدم ولكني صدقته وأبقيته معه، وكان يقابلني في حلي وترحالي ويطالبني بالصبر. وخشيت أن تسيء هذه المقابلات إلى سمعتي فأخبرته أنني عدلت عن رغبتي ولن أسترد المقدم ولكن عليه ألا يقابلني. ولم يعد يقابلني ولكنه كان يلوح بها في أكثر الأماكن التي أذهب إليها.

وضقت به كما كرهته وقررت الانتقال إلى الإسكندرية، وفي محطة سيدي جابر رأيته واقفًا وكأنه ينتظر.

* * *

من شدة الرعب تسمرت قدماي في الأرض، فعلى بعد ذراع مني شبت ثلاثة كلاب ضخمة متوحشة تريد أن تنقض عليّ لتفتك بي لولا أن قبضت على أذيالها امرأة باستماتة.

وإلى اليمين وقفت كلبة في ريعان الشباب، آية في غزارة الشعر وبياضه ونعومته وكانت تشاهد ما يحدث في قلق تجلى في اهتزازات ذيلها القصير المقصوص.

وارتفع نباح الكلاب الثلاثة وتتابع كالرعد واشتعلت في أعينها الرغبة المتأججة في الفتك بي ولما تعذر عليها الوصول إليّ استدارت فجأة ووثبت على المرأة وعند ذلك اقتلع الرعب قلبي وارتمت عليّ الكلاب. أما الكلبة الجميلة فتطلعت لي مدة وترددت لحظة عابرة ثم ألقت بنفسها في المعركة دون مبالاة بالعواقب.

* * *

رأيتني في حي العباسية أتجول في رحاب الذكريات، وذكرت بصفة خاصة المرحومة عين فاتصلت بتليفونها ودعوتها إلى مقابلتي عند السبيل، وهناك رحبت بها بقلب مشوق واقترحت عليها أن نقضي سهرتنا في الفيشاوي كالزمان الأول، وعندما بلغنا المقهى خف إلينا المرحوم المعلم القديم ورحب بنا غير أنه عتب على المرحومة عين طول غيابها، فقالت إن الذي معنها عن الحضور الموت فلم يقبل هذا الاعتذار، وقال إن الموت لا يستطيع أن يفرق بين الأحبة.

* * *

صحوت من نومي على أصوات تناديني غير عابئة بوقار الليل، وسرعان ما عرفت منها أصوات صديقات الزمان الأول، وكن يذكرنني بالميعاد الذي لم أنجزه فتلفحت بالروب وهرولت إلى الخارج، ولكني وجدت الشارع خاليًا والصمت سائدًا.

———-

نجيب محفوظ – أحلام فترة النقاهة

 



ليلة السكاكين الطويلة
November 14, 2013, 1:32 am
Filed under: Uncategorized

كان أبي يحب أمي بقدر ما تهبه من ذكريات. لا أراهما يتضاحكان إلا حين تجلس لتسرد قصة من الماضي، كيف التقيا وضحك عليها وتزوجا، صراعاتها مع عماتي وحقدهن عليها، غرامها في أيام المراهقة بالفنان سمير صبري، إعجابها الحقيقي والعميق بكل مساوئ أبي في شبابه. كان أبي يحب تلك الحكايات، يستمع لأمي بشغف، وتظل عينيه معلقة بها في هيام عجيب، لا يسمح لأحد منا بمقاطعتها حتى تنتهي. هي أيضا كانت تبتسم وتتأمل الفراغ، كأنها تحكي لنفسها ولا تعطي اهتماما حقيقيا لإعجاب المستمعين أو مدى تفاعهلم مع قصتها. لم يشتركا أبدا في حكاية، تقول أمي ما يخصها من الذكريات، ويتحدث أبي عما أنجزه فقط. لكنه لم يكذبها أبدا، بل كان يومئ موافقا على كثير مما تقوله ولو كان مخجلا له، حينها يبتسم باستهتار، باعتبار أن مرور العمر يقي ألم التجارب ويخفف صدماتها. كان حين يسمعها يبدو كمن يريد استكشاف نفسه، كيف كان. كان ذلك يشير أيضا إلى جهله بطبيعتها، الجهل الذي يعتذر عنه بعدم السماح بمقاطعتها والإنصات لها باهتمام. في الأوقات القليلة التي تتحدث فيها أسرتي عن ماضيها كنت أشعر أيضا بالطمأنينة. حالة الصفاء والإحساس بالود. كانت أوقاتا جيدة لأبي وأمي. لكن في الأوقات العادية كانت تشهر في وجهه سكينا وتصرخ فيه فجأة “عايز إيه مني يا بن المتناكة؟”، وكانت تلك العبارة تلخص تجربة طويلة، لها ما لها، وعليها ما عليها.