تجريب


شريط صوت تالف
August 29, 2014, 1:01 am
Filed under: Uncategorized

ذهبت إلى مكتب استوديو الأحلام بشارع فيصل لإنجاز تسجيل صوت الفيلم الوثائقي الذي أعمل عليه منذ أسبوع وأريد إنهائه بأسرع وقت وأي شكل كي استلم باقي ثمنه، أعمل بنظام المنتج المنفذ، أكتب الفيلم وأشرف على تسجيله ومونتاجه وإخراجه، ويعاونني أصدقائي الذين يعملون معي منذ سنوات، في العادي نستطيع إنجاز أكثر من عمل أسبوعيا وتسير الأمور ببساطة. لكن هذه المرة لم تسير الأمور على ما يرام، عدة تعقيدات ظهرت فجأة تسببت في تأخر تسليم الفيلم وأصابني هذا بالعصبية حيث كنت أعاني من ضائقة مالية خانقة. طرقت الباب ثم انتبهت لزر الجرس الأحمر فضغطه مرة واحدة. فتحت كريستين الباب وأفسحت الطريق وهي تضحك “إزيك؟”. أشارت بيدها للداخل وأغلقت الباب خلفي، أصرّت أن أشرب شيئا وحين قلت لها أني لا أشرب الشاي ولا البيبسي كما تعرف ابتسمت وأشارت بيدها بمعنى “ثانية واحدة”، وبينما تبتعد استرقت نظرة لأردافها الكبيرة. التكييف يعمل بقوة في صالة الاستقبال الواسعة والمزدحمة بالأثاث، على يمين الداخل من الباب مكتب للسكرتارية ثم ممر واسع يفضي لغرفة المونتاج واستوديو الصوت، وستارة أنيقة تحجب البوفيه. السجاد كالح اللون ولم أستطيع تحديد هل هو مترب أم أن لونه يتسبب بهذا الإيحاء، التكييف أعلى الباب اتسخت بعض جوانبه ويصدر صوت عالي بشكل غير طبيعي، السقف منخفض رغم مساحة المكتب الواسعة، مقاعد الصالون غير متناسقة الشكل ولا الألوان وثمة عشوائية في ترتيبها، بعض المجلات والأوراق ملقاة هنا وهناك وصوت مسلسل مدبلج يأتي من مكان ما، ربما كانت كريستين تشاهده في الغرفة البعيدة القابعة في عمق البيت. المهم أنه لا يصلني أي شيء من جحيم شارع فيصل، لا الحر ولا الضوضاء. عادت ووضعت أمامي كان بيرة ستيلا صغير وبجواره كوب تستقر في قعره بضع مكعبات ثلج. أبديت امتناني الحار فجلست على المقعد المجاور، سألتني عن موعد منتصف الأسبوع كان مفترض أن آتي لهم، قلت أن صديقنا – الذي يسجل الصوت – حدث له ظرف طارئ فاضطررنا لتأجيل الموعد، تساءلت ماذا حدث؟ “أبدا، أبوه تعب شوية فسافر”، تعجبت “مش أبوه كان مات؟” “آه كان مات، بس من يومين تعب شوية فسافر يطمن عليه!”، ضحكت ومدت يدها فضربنا أكفنا ببعضها ضربة رقيقة “بيشتغلنا كالعادة!”، قامت لتبلغ الدكتور بحضوري. مخرج عجوز لكن خفيف الروح، من هؤلاء الناس كبار السن الذين تستطيع الحديث معهم ببساطة في أي شيء، من جانبهم يميلون أكثر للمبادرة بالكلام والثرثرة وتتركز أحاديثهم حول حكايات ذاتية ربما لحاجتهم لانتزاع الاحترام والتقدير والإعجاب، وهذا شيء أستطيع بذله بدافع الشفقة. ناداني من غرفة المونتاج، كان منكبا على الوحدة يعالج إضاءة مشهد في برنامج ما. سحب الدخان الكثيفة عالقة في سقف الغرفة، هو مثلي يدخن بشراهة، جلست بجانبه فبادرني “برنامج ابن عرص ميت وقفة وميت قطعة”، سألته “مين دا؟” “واحد ابن وسخة مش فاهم حاجة، تخيل، وقف عند جملة، علّق وقعد يتهته، قلتله عيدها تاني وقطعت وابتديت من اللونج، قالي بتبعد ليه، قلتله عشان مايبقاش فيه جامب قالي مش بحب الحركة دي، قلتله طب وانت متبقاش تغلط، واحد زي دا هتقوله إيه، طلع دين أمي”، أحب طريقة كلامه خاصة وأنه يجيد تقليد لزمات الآخرين. كان الصوت في البرنامج رديء جدا لكني لم أعلق، عواجيز هذه المهنة حساسين تجاه النقد رغم أن تراثهم المهني مليء بالهراء، كأي صاحب مهنة حين يشعر أن الزمن تجاوزه فلا يصدّر إلا الاحتقار لأعمال الآخرين، لكن أليس ما أفعله أنا أيضا كله هراء ومن أجل المال؟ تذكرت الضائقة المالية فشعرت بالإحباط. نزع وجهه من الشاشة ونظر للكان في يدي ثم نادى “كريستين فين البيرة بتاعتي؟” ثم بصوت خفيض “أحا تشرب إنت وأنا اتعك في الشغل بن الوسخة دا” قام من مقعده الجلدي الوثير “تعالى بص ع الشغل دا علبال مجهز استوديو الصوت”، جلست وأمسكت الماوس أتصفح ما أنجزه كمخرج ومصور ومهندس صوت وفني إضاءة حيث ينفذ أعماله بطريقة وان مان شو، كان كل شيء رديء إلا تكوين الصورة الشيء الوحيد الذي كان معقولا، تعجبت من يأتي إلى هنا كي ينفذ أي منتج أصلا؟ من أين يصرف الدكتور على هذا المكتب الواقع على واجهة شارع فيصل الرئيسية؟. على الحائط صورة فوتوغرافية قديمة له بشعر غزير ونظارة شمسية، قصة شعر من بداية التسعينات ونظرة جانبية تقليدية باعوجاج في الرقبة مثل صور المطربين على أشرطة الكاسيت إبان حقبة التسعينات الفقيرة جماليا، بعض الزويا متربة وفضاء المكان عتيق بشكل يثير الانقباض لكن بمرور الوقت يمكن التكيف معه، بضع سماعات من نفس النوع يبدو أنها تالفة معلقة بجوار ترايبوت لكاميرا غير موجودة، بطارية كاميرا ملقاة على الأرض بجوار الكرسي، كشّاف إضاة على طرف المقعد، أوراق صحف مطوية بشكل غير متساوي على ترابيزة صغيرة محشورة بين مقعدين. ما هذه الفوضى يا دكتور؟، أكره التراب ويثير بداخلي كآبة. دخلت كريستين وسألتني عنه فأشرت خلفي، ناولته الكان وجاءت لتجلس بجانبي “تخيل، كيتي ولدت هنا” وأشارت لركن بجوار المكتب الطويل “لكن البيبي اختفى مش عارفة راح فين؟ تعرف البيبي دا يتباع بكام بحوالي ألف جنيه” “ؤمال القطة الكبيرة بكام؟” “لا القطط بتتباع صغيرة، الكبيرة ملهاش سعر”.قلت في سري زي الدكتور كدا. ضغطت بلاي لأواصل مشاهدة البرنامج، كان الصوت رديء جدا كأنه انعكاس لصدى الصوت في الحمام، فكرت أي فيلتر يصلح لعلاج هذه المشكلة، للأسف لا يوجد، هذا الشغل برمته تالف. “الراجل دا مش مرتحاله!” أشارت للشاشة، “ليه؟” “حاسة من كلامه إنه متعاطف مع داعش” “عادي شغل” “كل البلاوي دي اتفتحت علينا من ساعة الثورة إحنا غلطانين إننا نزلنا” “ممكن نكون غلطانين في قرارات خدناها بعد الثورة لكن الثورة لأ” ” ممكن” “يعني السيسي بتاعك مكنش هييجي من غير الثورة” “صح” استغربت نفسي قليلا كيف أتعامل بهذا المنطق بسهولة وبساطة، ناداها الدكتور فقامت. كريستين المرأة الثلاثينية البدينة ذات الوجه الدائري والابتسامة المريحة والشعر الذي ليس بالأسود ولا الأشقر بل بين اللونين. تذكرت موعد مع صديق خليجي في الساعة التاسعة على مقهى نجيب الريحاني، نفس الصديق وذات مرة في غمار نقاش حول حماس انحرف بالحديث ليعلق على الصورة التي يأخذها الإخوة العرب عن مصر وكيف تسببت الدراما والسينما المصرية في تشويه الصورة كما يقول ثم قال لماذا تجلس معنا كريستين ونحن نتفق كل مرة؟ ثم حدثني أنه اكتشف حين جاء مصر أنها بلد محافظ جدا، والنساء محجبات والإسلام موجود. أثار الحديث قرفي ولم أبالي بخوض نقاش بلا جدوى، كسم الصورة اللي حضرتك زعلان عليها. عادت وجلست بجانبي فضاق بنطلونها القماشي من عند الفخذين فشعرت بإثارة خفيفة. “مش عارفة راح فين ممكن تكون خبته في حتة لحد ما يكبر شوية” ” “…..” “مسمعتش صوت نونوة؟” “خالص” “يبقى أنا عندي هوس لوحدي بقى” “شوفيها كدا ممكن تكون محشورة ورا المكتب” تلفتت حولها “دورت في كل مكان” دخلت القطة الرمادية السمينة تتهادى ثم قفزت فوق المقعد الجلدي والتفت حول نفسها تتابعنا بعينيها الكسولتين، سألتها “كيتي فين البيبي؟” فأغمضت عينيها ولم ترد.

 

Advertisements