تجريب


بعض البديهيات عن الإسلاميين والفلول

17535738.cms

لا يجب أن يلوم الإسلاميين أحدًا غيرهم على دخول “الفلول” إلى المشهد مرة أخرى.

حين تولوا السلطة التشريعية بأغلبية واضحة، أغفلوا سن تشريعات تتعلق بعزل الفلول.. فعلوها في اللحظة الأخيرة فقط حين دخل شفيق وعمر سليمان سباق الانتخابات الرئاسية؛ أي لأهداف تتعلق بمكاسب انتخابية وليس قصاصًا ممن أفسدوا مصر لعقود أو استجابة لمطالب الثورة.

أغفل النواب الإسلاميون المؤذنون المتوضئون إصدار قوانين لمحاكمة الفلول سياسيًا بعيدًا عن قصور المحاكمة الجنائية.. محامي نقض مغمور كان يستطيع تبرئة مبارك والعادلي ومساعدوه من تهم قتل المتظاهرين بكل بساطة، هذه هي الحقيقة!؛ عجز القضاء الجنائي عن محاسبة قتلة الثوار موضوعي للغاية، يبدأ من نصوص قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية ولا ينتهي بقصور آليات البحث والتحري وجمع الأدلة والمعلومات، وهو موضوع يزداد صعوبة كلما كان هناك شيوع في الاتهام وقتلى سقطوا في أجواء اضطرابات واسعة كالتي شهدتها الثورة.

إقصاء الفلول أغفله الإسلاميون أو تغاضوا عنه مرة أخرى حين وصل رئيسهم لسدة الحكم؛ لم يسع لتطبيق أي آلية من آليات العدالة الانتقالية لضمان عدم ارتداد مصر إلى حالة الصراع مرة أخرى مع قوى “الثورة المضادة”.

اكتفى الإسلاميين بإجراء تفاهمات مع “الفلول” أحيانًا أو استخدامهم كفزاعة وتهمة جاهزة من حين لآخر.

وكنوع من تخدير الرأي العام، اكتفى الرئيس التافه محمد مرسي بمادة ضمنها إعلان دستوري كارثي تقضي بإعادة المحاكمات، وكانت خدعة مبتذلة لا تنطلي على طالب أولى حقوق لأن المحاكمات تمت بالفعل في إطار قانوني لا يسمح بأقصى مما صدر من أحكام براءة أو إدانة.

كما أن التعويل على ظهور أدلة جديدة، وهو السبيل الوحيد لإعادة المحاكمة وفق قانون الإجراءات الجنائية، كان يتطلب تطهير الداخلية والإطاحة بمن أخفوا الأدلة في السابق وهو ما لم يفعله العرص مرسي.

أضف لذلك صعوبة محاكمة شرطي يرتكب جريمة ويكون زملائه هم أنفسهم المعنيين بجمع الأدلة لإدانته!.

بل إن الإسلاميين حين هوجموا بسبب تقاعسهم عن القصاص من قتلة الثوار كما زعموا، لجئوا إلى حجة أسخف، وهي أن القضاء ليس نزيهًا!.

ليس ذنب القوى الثورية أو المعارضة أن مطالبهم تقاطعت مع الفلول؛ لأنها سبق وتقاطعت مع الإسلاميين، حين وقفوا صفًا واحدًا – الإسلاميين والفلول – لدعم ديكتاتورية المجلس العسكري مثلاً.. لكن نبرة اللوم التي يوجهها الإسلامية للثوار أن صفوفهم اختُرقت من الفلول، لهو أبضن اتهام سمعته في حياتي وأكثره صفاقة في الحقيقة.

الإسلاميين أيضًا فلول.



فلما كانت الحرب الأهلية.. عن معركة المفاهيم التي تأجلت كثيرا

حتى حلول مساء يوم الأربعاء 05-12 لم أكن أعرف بالضبط ما يدور في الخارج حتى سمعت عصام العريان على شاشة الجزيرة والمذيعة تسأله عن كيفية الخروج من الأزمة، فإذا به يصرخ في الشعب أن ينزل ليحمي ما أسماه الشرعية عند الاتحادية، كررها عدة مرات بشكل هستيري. أعطاني هذا تصور مبدئي عما يدور هناك.

حين أوقفت التاكسي وقلت الخليفة المأمون مصر الجديدة، رفض السائق فقلت له “من بعيد لبعيد يا معلم”.

نزلت عند مدخل الخليفة المأمون. في بداية الشارع كانت الأجواء متوترة، المتظاهرين يحاولون تأمين المدخل لكن عددهم ليس بالكثير. توغلت حتى وصلت إلى خط التماس بين الطرفين.

سترى الآن، شارع شبه مظلم. حشود كبيرة نسبيا للرافضين، في مواجهتهم جحافل من المؤيدين تضم أشخاص ملتحين وإخوان.

كانت الحرب دائرة في شكل تراشق بالحجارة بين الطرفين، انخرطت مع المدافعين عن مواقعهم في منتصف الشارع وتقدمنا عدة مرات بالفعل. كان الإخوان يتقهقرون لكن لنقطة محددة، وكان الاتحادية يلوح في أفق مظلم نسبيا يحوطه مئات الأشباح.

لو كانت هذه حرب أهلية، فهي عبثية ومضحكة. المسافة الواسعة بين الطرفين تجعل الجميع خارج مجال قذف الحجارة، وفي كل مرة عليك التقدم وحدك أو بمجموعة صغيرة لقذف الحجارة التي تضمن أنها ستصيب المتحمسين الذين يقودون الجمع في المعسكر المضاد.

ضربت الحجارة بكثافة على معسكر الأعداء حتى انخلع كتفي مدافعا عما أتصور أنه خياراتي ومدافعا عن حقي في وجه السلطة التي اختاروا الانحياز لها، ما كان يثير حنقي هؤلاء الذين يتراجعون ويكشفون ظهرنا حين نوشك على التقدم.

بين معسكر المؤيدين كنت أرى رجالا تجاوزوا الأربعين يقذفون الحجارة، هناك ملتحين أيضا يقفزون في الهواء بجلابيبهم لرشق الحجارة. ضحكنا جدا.

على إثر إصابة طفيفة في ركبتي تراجعت للخلف كي أتفقدها، وحين عدت وجدت معسكر المؤيدين يرفعون أيديهم في الهواء ويقتربون، من أسميهم بكل أريحية معسكر الثوار بعضهم رفع يده أيضا، التقى الجمعان ودار نقاش عشوائي بين الجميع، هدوء وحدة وتلويح بالأيادي وطبطبة على الأكتاف، يتخلل ذلك قذف الحجارة من حين لآخر من بعض الأشخاص في الصفوف الخلفية. لكن الرفض من الثوار كان عنيفا فانهارت الهدنة الهشة وتراجع الجميع مرة أخرى إلى مواقعهم واستأنفوا الحرب. انتبهت إلى أنني صرت في معسكر المؤيدين فتراجعت بينهم حين رأيتهم يسحلون شاب صغير يوسعونه ضربا، اقتربت وحاولت فضهم بالصراخ أنه أعزل، لكن شخص ملتحي كان يزيح الجميع ليضربه بجنون وهو يصرخ بهستيرية “هاتوه هاتوه”. أمسكت الملتحي من ذراعه وجذبته بعيدا كي يكف عن الضرب، كانت عيناه جاحظتان والعرق يغرق جبهته وعلامات الجنون ظاهرة على وجهه وكان يلهث بانفعال شديد، عرفت حينها شيء عن أعراض المرض النفسي العصابي.

ضرب شخص أعزل بهذه الوحشية من جمع أحاط به وشل حركته – حتى ولو كان هذا الجمع يمثل القانون ويحتكر بموجبه العنف، كالبوليس – غير مقبول أصلا، ما بالك بمن يدعي أنه يعتنق منظومة قيمية مفترض أنها تجرّم التعذيب والاعتداء على الأسير والأعزل.

توغلت خلف ما يوصف بخطوط العدو، كان حشد الأعداد كبيرا بالفعل، والوجوه أغلبيتها العظمى ريفية.

ما يمكن أن تراه في جمع أغلبه إخواني هم أشخاص يشبهون بعضهم لحد كبير، لحد مدهش في الحقيقة.

نمط الزي واحد تقريبا، ملابس كلاسيكية، تقليدية للغاية. أيضا اللحى الخفيفة وتسريحة الشعر العادية. تستطيع تميز حشود الإخوان بمجرد النظر إليهم.

كان هناك أربعينيون وأشخاص كبار في السن لحاهم بيضاء يبدو أنهم قادة “الأسر” أو “الشُعب” الموجودة، كانوا هنا كقادة ميدانيين يديرون المعركة، بل إن بعضهم كان يجمع الحجارة من عند قضبان مترو مصر الجديدة ويعبئونه في أجولة لنقله لصفوف القتال الأمامية. خفت التقاط صور كي لا ينتبه أحد، كنت أعي أيضا أني في بيئة معادية، لم أجرؤ حتى على إشعال سيجارة بينهم.

لكن حزنا عميقا تملكني أن يدفع هؤلاء الذين ينظرون لأنفسهم كقياديين في الجماعة بهذا الشباب الصغير كي يقتل نفسه بينما هم في الخطوط الخلفية يدردشون ويشربون الشاي. تحكموا في شباب صغير لدرجة طريقة الفهم واللبس وقصة الشعر. أصبح شباب الإخوان نسخ مكررة من بعضهم، ونسخ مكررة من قياداتهم.. داهمني شعور شديد ببؤس هذه الأجواء، بما يمكن أن ينال من حريتي بشكل حقيقي إن فرض هؤلاء عليّ قناعاتهم، وهو برأيي ما كانوا يفعلوه هنا، يريدون الجميع مثلهم، بأفكارهم وقناعاتهم ومفاهيمهم وحتى طريقة لبسهم، ولو اضطروا لاستخدام العنف. إنها جماعة نازية.

* * *

لا يحتاج الاستبداد – كفكرة بدائية – إلى خلفية معرفية، باعتباره مفهوم قائم على الاستسلام للغرائز، مثل الانتشاء بالقوة والرؤية الأحادية، بينما تحتاج الحرية – كمفهوم – لقدر ولو بسيط من المعرفة كي تتفهم معنى حق الإنسان في التظاهر والتعبير عن الرأي، وأن الشخصيات العامة معرضة للنقد لأقصى درجة، وأن السلطة لا تحتاج لمؤيدين لأنها تملك قوة القانون والأجهزة الأمنية التي تجعلها قادرة على فرض قراراتها دون الحاجة لمدنيين يخوضوا حربا أهلية مع مواطنين مثلهم. فمتى تفهم الجماعة أنها في الحكم وليست في المعارضة؟، وأنه من غير المنطقي أن تشغل ذات المكانين، السلطة والمعارضة؟، هذا إقصاء اعتمده النازيون والفاشستيون وغيرهم من النظم البائدة.

تحديدا ما يتعلق بما يُسمى إهانة الرئيس، ستجد مؤيدين مرسي من الخليجيين ينتقدون هذه الجزئية تحديدا، هؤلاء لا يعرفون الرئيس الموظف، بل تربوا على تأليه الأسر الحاكمة؛ هم دائما تحت وطأة التقديس دون النظر لاعتبارات أخرى كالمساءلة والرقابة والمحاسبة، ناهيك عن حرية الرأي والنقد والتعبير، وناهيك أيضا عن الرؤية المستدعاة من الدولة الإسلامية التاريخية التي لا تتحدث عن رئيس موظف، بل عن خليفة للمسلمين وقائد للأمة إلى آخر هذا الهراء.

في هذا السياق تحديدا يقول ابن حزم: “من تصدر لخدمة العامة، فلابد أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس؛ لأنه لا محالة مشتوم، وإن واصل الليل بالنهار”..

كما لا يقر أي قانون أو منطق أن يُقتل شخص ما بسبب سُبة.. هاجم الإخوان معتصمي الاتحادية زاعمين أنهم كتبوا عبارات وصفوها بالمسيئة للرئيس على سور قصر الاتحادية، أحه!.

هذه مفاهيم كنا نظن أننا شيعناها إلى مزبلة التاريخ.

مثلها أيضا مفهوم احتكار الحديث باسم “الشعب”؛ وفي الحقيقة استغرب من يجرؤ عن الحديث باسم الشعب. هذا مفهوم من ميراث استبداد ضارب بجذوره في تاريخنا وثقافتنا.

وحتى لو كنت في موقع السلطة وأردت أن تتحدث باسم الشعب، عليك بدايةً أن تجيب عن إشكالية قديمة: “عمن تعبر السلطة في المجتمع؟”. حتما ليس الجميع، ما بالك برئيس جاء بأصوات 15% فقط من الشعب على أفضل تقدير (بحساب المصوتين لخصمه والمقاطعين واللامباليين أصلا وهم أيضا شعب).

الشعب، مفهوم غامض، استغلته الأنظمة السلطوية للتعبير عن كيان معنوي لا وجود له.

وفي تحليل الباحث د. شريف يونس لمفهوم “ديكتاتورية الشعب” الذي نحته عبد الناصر، رغم أن الشعب وقتها لم يكن ممثل في أي من مؤسسات الدولة، خلص إلى نتيجة مفادها أن: “ديكتاتورية الشعب هي إقامة وحراسة فراغ سياسي يُسمى الشعب”. (نداء الشعب.. تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية، ص 99).

الجميع شعب، والفرد أيضا شعب.

* * *

يتحدث من يدعمون الديكتاتور مرسي عن فكرة أنه لا يليق بالرئيس التراجع وإلا انهارت مش عارف إيه.. مثل يسري حماد الذي يتحدث ل السي بي سي بينما أكتب هذا الكلام.

هذه فكرة لا تستحق النقاش، هؤلاء ولاد متناكة لن يفهموا أي شيء أبدا.

ما أسفرت عنه معركة الأمس، تؤكد – لديّ على الأقل – ضرورة حل جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية كلها، واستبعاد قياداتهم من العمل السياسي بتهمة إفساد الحياة السياسية ومحاكمتهم على استخدام العنف ضد المتظاهرين، الأهلي والشرطي، والتحريض ضدهم لحد تكفيرهم.

* * *

ما تفوق فيه مرسي على المخلوع هو استحضار التجربة الناصرية بتفاصيلها، تحصين قرارات السلطة المؤَيَدَة ببعض الشعبية – وفي مرحلة استثنائية لها ظروفها – وحشد الأنصار الذين وقف آباءهم وأجدادهم ذات يوم من عام 54 يهتفون “تسقط الحرية”، كان ذلك قبل أن ينقلب نظام يوليو على الجميع وقتذاك بما فيهم الإخوان الذي وقفوا إلى جوار عبد الناصر.

محاولة للسيطرة على الحكم بعد استغلال الديمقراطية لمرة واحدة بإصدار إعلان دستوري ملكي، وضمان استمراره بدستور بائس كان مفترض أن ينص على حقوق المواطن وينحاز إليه ضد السلطة، رغم ذلك صدر تحت حماية السلطة نفسها!..

الإخوان يطبقون التجربة الناصرية، بما يشمل ذلك استخدام العنف، الفارق أن نظام يوليو لم يكن لديه أنصار بهذا الحجم معتنقين لأيديلوجيته الغير موجوده أو الهلامية. الجماعة هي نمط يشبه لحد كبير الحزب النازي.

* * *

يذكر التاريخ أنه قبيل انقلاب يوليو وكانت البلاد تغلي زار المرشد “حسن الهضيبي” الملك مؤكدا ولاء الجماعة للقصر.

بعد الانقلاب ساند الإخوان عبد الناصر، ووقفوا إلى جواره حين اندلعت تظاهرات تطالب بعودة الأحزاب، لدرجة أن خرج مرشدهم “الهضيبي” يتساءل: “عن أي أحزاب يتحدث هؤلاء؟”.

فيما بعد صدر القرار بحل جماعة الإخوان، واعتقل الآلاف من أعضاءها، مثلما اعتقل غيرهم من أحزاب الشيوعيين والوفد ومصر الفتاة..

يذكر التاريخ أيضا أن “الهضيبي” أُوقِف بعد تصفية الإخوان ليقود بفرع شجرة في يده الإخوان المسجونين في نشيد “يا جمال يا زعيم الوطنية”.

المدافعون عن خياراتهم | صورة أرشيفية من رويترز

صورة أرشيفية من معركة شارع عيون الحرية الثالثة نوفمبر 2012 | رويترز



ذهنية الطائفة لدى الإسلاميين.. الإخوان نموذجا

من لا يعرف الإخوان والسلفية، أي من لم يمر بتجربة الانخراط في صفوفهم في أي مرحلة عمرية، لن يفهم أن الإخوان أو السلفيين كيانات قائمة بذاتها، مغلقة على نفسها، غير منفتحة لا على الصعيد الفكري ولا الاجتماعي، والاجتماعي هو الأهم هنا يليه الفكري.

قناعاتك – أيا كنت وأيا كانت – من المفترض أن تكون دوما عرضة لتطور أو تغيير، أي تأثير يزحزحها عن ثباتها، ولو حتى بتقدم العمر، ولو حتى بمراجعة مع شخص يختلف معك فكريا، هناك حتما تغيير يطرأ لأي سبب.

العزلة الاجتماعية تجعل الخبرة الفكرية تتطور داخليا، ومنظور رؤيتك تشاركه مع أمثالك ممن ليسوا أقل عزلة منك. ستصل في النهاية لنتيجة محدودة ومؤطرة ولا تتجاوز السقف المسموح لك به، دينيا أو تنظيميا – أي اجتماعيا – .

قبل أن يعلن مرسي عن قراراته الكارثية، صدرت الأوامر لأفراد جماعة الإخوان المسلمين بالتحرك لقصر الاتحادية لتأييد الرئيس على قرارات غير معروفة للرأي العام.

وهنا ملاحظة مهمة فشخ: هل تسربت قرارات الرئيس المصري لجماعة الإخوان قبل أن يعرف عنها الشعب شيء فحركوا أتباعهم؟، وهل شاركت الجماعة في صياغتها أو التوجيه لها، أو حتى الاطلاع عليها – وهو الأمر الذي لم يتسنى لغيرهم – ؟!

تصرف الرئيس إذن داخل جماعته، الذين يعرفهم ويألفهم، وحتى حين خرج – بعد ليلة طويلة من الاحتجاج العنيف –  فهو لم يبالي بمخاطبة “الشعب” عبر الإعلام الرسمي، بل خرج ل “أهله وعشيرته” المنتظرين طلّته خارج قصر الاتحادية. هو حديث داخلي، يقتضي بالضرورة إنكار أي حق للآخرين، إن لم يكن اعتبارهم أعداء، أو أي معنى قريب من ذلك.

غير غريب أيضا ما لاقته القرارات الكارثية من ترحيب في أوساط الإسلاميين عموما، مع اعتقادي يقينا أن بعضهم لم يفهمها أو يسمعها بالكامل.

هذه ذهنية طائفية بحتة: كبير الطائفة اتخذ قرارا ما، عظيم، لكن الآخرين رافضين له، أوغاد.

حتى من فهموها أيدوها وبإصرار، أغلبهم اعترف أنها ربما تكون استبدادية بعض الشيء لكنه لن يستبد.. هذه أيضا ذهنية طائفية. ثقة مبعثها أنه منا، ابن طائفتنا، وإن أضر بالجميع لن يضرنا حتما.

رغم أن الإسلاميين يعرفون – وللمفارقة – أن الله تعالى يقول: “إذا تداينتم بدين فاكتبوه”، وآيات الدَين تأمر الطرفين بكتابته مهما كانت ثقة الطرفين في بعضهما، بينما أنت هنا تتحدث عن دولة كاملة، تجعلها رهينة لتقوى الحاكم، أحه يعني!

من اليوم الأول لتنصيب مرسي ديكتاتور مطلق، استهلكنا نقاش كبير يدور حول بديهيات، وإعادة تعريف مصطلحات استقر على تعريفها العالم بل وبدأ في تجاوزها، ما الدولة، ما الاستبداد، ما السلطات الثلاث.. حوار عبثي لكنه لا يشغل الآخرين الذين يتحركون في سياق طائفة تعتقد أنه تجمعها صداقة ما بالله.

أنصار الرئيس مرسي من جماعة الإخوان في تظاهراتهم المؤيدة لقراراته أمام قصر الاتحادية | رويترز



الدولة البائسة.. هوامش على أحداث شارع عيون الحرية

منذ أيام، كتب صديقي وزميلي الذي عملت معه لأعوام على حسابه الشخصي على فيسبوك يطالب بـ “جز أعناق” هؤلاء الذي يتظاهرون ضد هيبة الدولة في شارع عيون الحرية (محمد محمود سابقًا).

ينتمي زميلي لحزب الحرية والعدالة، ولا أدري هل ينتمي للإخوان كجماعة أم لا، فلم ألحظ خلال صداقتنا الطويلة أي ارتباط له واضح بجماعة الإخوان.

كان صديقي سبق وأبدى ندمه – إبان الانتخابات الرئاسية – على التخلي عن “الثوار” في معركة محمد محمود الأولى والثانية ومعركة مجلس الوزراء، قال إنه اكتشف أنهم كانوا محقين وأن المجلس العسكري لا أمان له وأنه يمثل بالفعل الثورة المضادة بل وأصبح يردد يسقط يسقط حكم العسكر.. وبالمناسبة، انتشرت هذه الفكرة لدى الإسلاميين في فترة ما قبل الانتخابات الرئاسية بأيام بسيطة، ثم تبددت تدريجيًا بعد نجاح مرشح الإخوان، حتى وصلت إلى مرحلة المطالبة بـ “جز رؤوس المتظاهرين”.

عمومًا، لم يكن النظام السابق يملك أي أطروحات فكرية يعضد بها أركان حكمه، لم يكن حزبًا عقديًا كحزب البعث في سوريا أو العراق، ولم يكن حزبًا له أيديولوجية واضحة أو مرجعية فكرية معروفة، كان عبارة عن تجمع خليط من رجال الأعمال وممتهني السياسة والكتّاب والمفكرين الذين يعملون على التنظير لأي هراء يقوله النظام..

كان هذا بالمناسبة امتداد أكثر رداءة لنظام يوليو الذي قضى سنوات طويلة في محاولة للتعريف بأيدلوجية وهمية لم يبق منها سوى مئات الخطابات للبكباشي جمال عبد الناصر، هذه الخطابات التي تلقفها أتباع النظام الناصري يحاولوا عنوة صياغة نظرية ناصرية منها.

لم يكن يجمع رجال النظام السابق إذن سوى شبكة من المصالح، ولم يكن النظام نفسه يؤمن بشيء ولا يُروج لشيء حقيقي، ليس سوى بعض الأكاذيب التي تضمن بقاءه في السلطة.

بقدوم الإخوان المسلمين للسلطة، أصبحنا أمام نظام مستبد، باعتبار أن المعنى الدقيق للاستبداد هو فرض السيطرة الكاملة وتدعيم أركان الدولة المركزية، هذا النظام جاهز بمفاهيمه وتفسيراتها والقدسية التي تحمي المفهوم وتفسيره على حد سواء.

لم يكن الإسلاميين ثوريين بطبيعتهم، بل كانوا يميلون لما يُسمى بالنهج الإصلاحي، الذي يعني بالضرورة إمكانية دائمة للتعامل مع الوضع مهما كان سوءه ودون رغبة حقيقية في التغيير الجذري، أيًا كان.. نتحدث هنا عن الإخوان تحديدًا دون غيرهم من القوى الإسلامية التي تضم تيارات أكثر راديكالية مثل السلفية الجهادية التي تقوم أدبياتها على التغيير الجذري والحاد.

لم يغير الإخوان شيئ ولن يغيروا في المدى القريب.

الإسلاميين أيضًا – بالعموم – ليسوا ديمقراطيين، وإن اضطر فصيل منهم لخوض غمار العملية الديمقراطية فلأن ذلك كان من متطلبات مواجهة نظام مستبد وقمعي، تضطر أن تواجهه بنفس القواعد وأن تزايد عليه فيها، مثل أن تدعي أنك أكثر ديمقراطية وتطالبه بأن يترك الحكم للصندوق.

والإخوان حتى إن تمكنوا – كفصيل إسلامي – من مقاليد الحكم سيتظاهرون أنهم يدعون الناس للتصويت بحرية في ظل الحكم الإسلامي، (اتقاءً لغضب القوى المدنية وكي لا يصطدموا بقناعات رجل الشارع البسيط) لكنها ستظل ديمقراطية منقوصة لأنها ستتحول في خطب الجوامع إلى معركة بين كفر وإيمان كما شاهد الجميع.

بالتالي من غير المتصور، أن يصل الإسلاميين للحكم، ثم يقبلون ببساطة الدخول في تجربة لتداول هذا الحكم مع وجود احتمالية أن يسقط في يد العلمانيين الكفرة.

نقطة أخرى مهمة: لم تعرف الدولة الإسلامية التاريخية تجربة للرقابة على السلطة، ولا تحدثت كتب التاريخ عن أي آلية بهذا الخصوص، سوى بعض القائلين للحاكم: اتق الله.

بالتالي كان مجرد انتماء الحاكم للإسلاميين، سببًا أصيلاً في استماتتهم للدفاع عنه، متجاوزين عن تقصيره دائمًا.. هم لن يعارضوه إلا من باب العتب أو ذر الرماد في عيون المعارضين العلمانيين.

هذا إن لم يعتبر الإسلاميين معارضة رئيسهم (خليفتهم) في شؤون تتعلق بالمتطلبات المعيشية البحتة للناس هي محاربة للدين ومؤامرة على الإسلام، وهو ما حدث بالفعل.

دانت السلطة إذن للإسلاميين، بغض النظر عن الآلية أو الثمن أو حتى الوعود التي اتضح زيف كثير منها.. وأثبتت تجربة حكمهم القصيرة لمصر أن العداء السياسي يتحول بالضرورة لعداء عقدي، يجعلهم يحرضون على انتهاك حقوق المخالف لهم بأعنف الطرق (جز العنق).

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الدولة الإسلامية التاريخية لم تعرف أي مفهوم يتعلق بـ”المواطنة” أو قريب منها، نفهم أن غير المسلمين قد عانوا تمييزًا حادًا في كل شيء حتى تطبيق الحدود، ما بالك بالكفار الذين لا دين لهم أصلاً؟.

فعلى سبيل المثال: دية قتل المسلم لغير المسلم لا تتساوى أبدًا مع دية قتل غير المسلم للمسلم..

وحد جلد غير المسلم الذي سب مسلمة، لا يتساوى أبدًا مع حد المسلم الذي سب غير المسلمة، بل الراجح حسب جمهور العلماء في كتب الفقه أن سب غير المسلمة لا يوجب الحد أصلاً!.

هذا فيما يتعلق بغير المسلم أي الذمي، ما بالك بمن تراه الدولة الإسلامية كافرًا؟، بالطبع ليس أقل من حز العنق، ليس حتى المطالبة بمحاكمته وتقصي أسباب تمرده وغضبه، بل حز عنقه فورًا لأنه فقط جرؤ على تحدي السلطة والتصدي لانتهاكات ميليشيا الداخلية وإعلان احتجاجه على عدم نيله لحقوقه، رغم كل وعود مرشح التيار الإسلامي الذي وعد وأخلف.

ما نعيش فيه جميعًا هي دولة بائسة، يحكمها نظام مثير للشفقة، يسعى لحتفه دون محاولة لتفادي الانزلاق نحو الحافة.. نظام سلطوي لديه ثقة متبادلة مع أتباعه، وقبلها الثقة في جهل الشعب الذي يسهل خداعه بشعارات دينية تداعب حسه الديني لكنه بدأ يشعر أن الإسلاميين “بيشتغلوه”.

في مصر، هناك الكثير من الغضب والإحباط، وهناك انطباع واضح يسود أن الإسلاميين فشلوا في تحقيق حتى حالة من الاستقرار، لا نتحدث عن أي تقدم يُذكر، فقط توفير حالة من الاستقرار وفرها النظام السابق نسبيًا.

الفارق أن النظام السابق وفر حالة استقرار مصحوبة بيأس مطبق من التغيير، وكنا نأمل أن يوفر النظام الحالي حالة من الاستقرار لالتقاط الأنفاس مصحوبة بأمل في التغيير ولو بمعدل بطيء.

نحن في بضعة شهور انتكسنا عقودًا للخلف، ولو على صعيد المفاهيم التي فرضتها مرحلة ما بعد 11 فبراير 2011، بينما يبشر الدستور الرديء الذي يُكتب بمزيد من تكريس مفاهيم تضمن تخلفنا مئات السنين.

جنود الأمن المركزي يقذفون المتظاهرين بالحجارة من مبنى مدرسة ليسيه الحرية بشارع محمد محمود سابقًا | رويترز

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استدراك 23-11-2012 :

دستور مرسي المؤقت واضح أكثر مما ينبغي، وعبثي أكثر مما ينبغي. هذه هي بالضبط الدولة البائسة التي نتكلم عنها.

لكن عموما، الذين يتكلمون عن فكرة “ديكتاتور مؤقت”، هي فكرة بلهاء وعبثية تماما.

انتُخِب هتلر ديمقراطيا ثم تحول حكمه إلى أشهر ديكتاتورية في التاريخ يتحكم فيها عقل ملتاث.

لا تقوم الدول على ضمانات شفهية أو كلمة شرف، خاصة من شخص هو يحمل صلاحيات نفي كل ما قاله والانقلاب على كل ما وعد به بقوة الدستور والقانون.

ما أصدره مرسي من إعلان دستوري يمكنه ببساطة من أن ينيك البلد، أن يبيع البلد، أن يقتل الشعب وهو آمن تماما من العقاب، هذه حقائق وليست مجازا.

رئيس غلّف أحكاما ديكتاتوريا بامتياز ببعض الرشاوي للشهداء وأسرهم.

قرر أيضا محاكمة قتلة الثوار، عظيم، لكنه لم يعيد هيكلة الداخلية وتطهيرها، وهي المعنية بجمع الأدلة التي تُدين القتلة، وكانت سببا في تبرئة قتلة مباشرين للشعب.

المحاكمات الجنائية أيضا مقيدة بقانون إجراءات جنائية لا يَسمح للمدعي بالذهاب إلى أبعد من الحكم الذي صدر على المخلوع: التقصير في حماية المتظاهرين.

بديهيات قانونية يعرفها البعض، خاصة الذين يخوضون صراعات على أراض في الصعيد ووجه بحري: في المعارك الكبيرة وأيا كان الذين يسقطون قتلى، في الغالب يُطلق سراح المقبوض عليهم تحت مبرر “شيوع الاتهام”؛ لذلك حين يخوض طرف ما صراعا يحرص على أن يكون ضمن مجاميع؛ لأن الجميع يعرفون هذه البديهية.

أيضا في جرائم القتل، حين تعثر على دليل القتل، تحتاج للربط – بشكل مباشر – بينه وبين من يُتهم بأنه القاتل. بالتالي كان الحل هو فكرة العدالة الانتقالية التي تحدث عنها البعض.

المفارقة أن من يتحدث عن حماية الرئيس “الإخواني” للثورة، ينسى أن الإخوان ليسوا ثوريين، لا على صعيد النظرية والأدبيات ولا على صعيد التطبيق. في موجات الثورة التالية التي وُجهت بالأساس لاستبداد المجلس العسكري، أخذ الإخوان صفه، ثم انقلبوا عليه حين ارتأت مصالحهم ذلك وتصاعد التراشق اللفظي بين الطرفين، وربما تلاقيا بعدها في تفاهمات ما غير معلنة.

ليس هناك معيار عند الإخوان تحديدا لما هو ثوري وما هو غير ثوري، ليس إلا مصالحهم حسبما رأينا ونرى. وفي كلا المعسكرين “الثائرين” الذين رأينهم، عند الاتحادية وفي شارع عيون الحرية، سنعرف بالضرورة أن الرئيس الذي احتكر حماية الثورة دون معايير ولا ضوابط سيميل لأي الطرفين.

أيضا أنت أمام أهم استحقاق للوطن، كتابة الدستور، لا تعلم ما الذي قد يحويه، وهل الضمانة التي منحها آية الله المرسي لإخوانه أن يكتبوه منفردين سيرسخ لحكمه وحكم إخوانه من بعده أم لا؟!..

إعلان آية الله المرسي الدستوري، يعطي الجمعية التأسيسية حق كتابة الدستور ولو ظل فيها شخص واحد، والذي سيكون بالضرورة إخواني، لا توافق ولا اتفاق ولا خرا.

فكرة أن يقبل الإسلاميين بالاستبداد المطلق الذي حمله إعلان مرسي الدستوري، في جانب منه هو قبول بالدولة الإسلامية التاريخية التي تعطي للحاكم بأمر الله أو الخليفة السلطات المطلقة، دون أي آلية لمراقبته ومحاسبته، وهؤلاء الذين وقفوا لمؤازرة الديكتاتور عند قصر الاتحادية هم أنفسهم أنصار السلطان أو الخليفة قديما، وهم الذين أودوا بالإمبراطورية الإسلامية قديما.

هؤلاء الذين لم يثوروا بالأصل على المخلوع مبارك – رغم أنه كان أقل استبدادا وفق الذي حدث – سيقبلون بحاكم مطلق لمجرد أنه “إسلامي”، يستطيع أن ينيك زوجة أحد الأخوة – وفق صلاحياته الجديدة – دون أن يملك الأخوة من أمرهم شيئا.



مشهد (1): ليل / خارجي
August 22, 2012, 8:39 pm
Filed under: Uncategorized | Tags: , ,

 الثلاثاء 25 يناير 2011

انطلاقًا من دار السلام، مرورًا بخمس محطات وصولاً للسادات لم أكن أعرف لِم أنا ذاهب لوسط البلد، باعتقادي أن قطاع عريض من الذين رأيتهم على هدي الأضواء الكابوسية لميدان التحرير جاءوا بهذه الطريقة: اتصال عابر بصديق للاطمئنان عليه تكتشف أنه هناك ويسبك لأنك مازلت في البيت فتقول بعجالة أنا جاي وتغلق لتتصل بصديق يسكن بالقرب منك ليقابلك في محطة المترو وتذهبا سويًا.

نختلف نحن، أو أختلف أنا، في أن إرادة التغيير تنمو ببطء، ويجب أن يرافقها معادل بصري مناسب كالذي وجدت نفسي محاصرًا فيه إلى جوار مجمع التحرير بوسط البلد.. في مرحلة ما، أودع القيم الكبرى والانشغال بالهم العام، أنا لم أُرَبَى أيديولوجيًا على ضرورة إحداث أي فرق فيما يدور حولي، فلا منطق داخلي للتفاعل بشكل جدي مع حدث ولو بمثل هذه الضخامة. من كانوا قبلنا، حتى من عُزلوا عن المعادل البصري المناسب، رأوا الانكسار في عيون الآباء إبان النكسة وفرحة الانتصار في الشوارع في حرب 73 ، وفوضى الشوارع في ثورة الجياع والقبضة الأمنية الفولاذية عقب اغتيال السادات ومرحلة تجفيف المنابع والتعامل بالسلاح المباشر مع أي بادرة تمرد خلال حقبة التسعينات.

في مرحلة استقرار نسبي، نعيشها، أو أعيشها أنا، اقتصاديًا وأمنيًا، أرى العصيان المدني ضربًا من “البطر” والفراغ، أو على الأقل إشباع الرغبة في إثارة الفوضى والعنف وتحويل مصر إلى نادي قتال كبير.

تملكتني أفكار كهذه قرابة ثلاث محطات، من الملك الصالح حتى وصلنا إلى سعد زغلول.. فكرنا في النزول في سعد زغلول للالتفاف حول الاعتصام من الخلف والبحث عن ثغرة للدخول، فالنزول في السادات كما أتوقع يقذف بنا إلى داخل المظاهرة ويجعلنا حبيسي الميدان.

في محطة السادات، نلاحظ التحفز على وجوه العساكر نحيفي الأبدان الذين يقفون على البوابات إلى جوارهم بضع مخبرين بمظهرهم التقليدي، شوارب كثة وأكتاف مفتولة وملامح غبية “أي قاسية”، يتفحصون النازلين بنظرات نارية.

خرجنا إلى الميدان فشهقنا بإفيه مبتذل “أحه، ؤمال مين اللي ع الجبهة”..

كانت جموع المتظاهرين الغفيرة محاصرة داخل رقعة واسعة من الميدان، جميع الشوارع من وإلى الميدان مغلقة بصفوف طويلة سوداء وعربات مدرعة تصدر أصوات وأضواء عصبية.

من كانوا يخططون لقضاء الليلة في الميدان مثلنا بالتأكيد سيراجعون أنفسهم حين تشتد وطأة القمع، عليهم حينها السير على الأقدام في جماعات لاختراق الكردونات الأمنية وكسر الحصار، وهو ما يهدد بالتحام مباشر لن يملك الكثير منا الشجاعة لخوضه.

ننخرط في الجموع، فالتشتت يهدد باختطاف من يشرد عن المجموعة.. نقف لنراقب الأمن عبر مساحة الفراغ الكبيرة بيننا. يحاول أحدنا ترديد هتاف ما، “الشعب، يريد، إسقاط النظام”، يوافقه البعض ثم ما يلبث أن يتبدد الصوت ويختفي. أفتح الموبايل لمكالمة أصدقائنا، لا توجد شبكة، أشعر بوطأة الجو الكابوسي حولنا.

. . .

في لحظات يدوي صوت مكتوم، ونرى في السماء خيوط الدخان البيضاء تطير في قوس واسع لتسقط بيننا، نبدأ في التشتت، يحاول البعض لم الشمل لكن الدخان يعمي العيون، نتراجع بارتباك محاولين الحفاظ على تماسك الحشد، تتساقط القنابل بيننا، نتراجع إلى الخلف، ألاحظ أن الصفوف السوداء تتراجع أيضًا للحفاظ على مساحة الفراغ بيننا، الالتحام سيكون مأساوي، والغاز ثقيل فعلاً، لا أرى شيء تقريبًا ولا أملك القدرة على فتح عيني وأشعر بالاختناق، أبحث عن صديقي، أناوله منديل ليضعه على أنفه وأحذره بجدية بالغة من “دعك” عينيه.

البعض يرتدي أقنعة طبية، جئنا إلى هنا اعتباطًا كأننا ذاهبين لنزهة، لم نتخذ أي احتياطات.. يتكاثف الدخان في الهواء فنتراجع بحثًا عن منطقة نقية نعيد التجمع فيها.. يجبرنا الدخان الكثيف على الركض باتجاه المتحف المصري وأخمن أن الصفوف السوداء بدأت في حركتها المتباطئة خلفنا، فتاة تسقط مغشيًا عليها فيحملها صديقها ويواصل العدو، يدخل بعضنا إلى أحد مواقع البناء الملاصقة للمتحف بينما يستمر الآخرون في تراجعهم إلى عبد المنعم رياض.. نسير وسط معدات البناء والخزانات الضخمة، يتلاشى أثر الدخان تدريجيًا وتدمع أعيننا بغزارة، أسعل وأحس بصدري يُشرخ.. نسمع صوت طلقات في الخارج، صوت قوي مخيف.. مجموعة أخرى تعدو إلينا، يصرخ شاب “إيه صوت الضرب دا.. رصاص؟!” نتحرك للخروج من المكان، يسقط شاب يحمل حقيبة ثقيلة، أميل عليه “مالك؟” “مش قادر أتنفس”، يتصاعد صوت الضرب المبهم مرة أخرى، أساعده على النهوض وأفكر أن حمل حقيبة بهذا الحجم في هذه الظروف غباء بلا أدنى شك، يحمله آخر معي ونواصل المشي.. في الشارع المحاذي للمتحف المصري والمؤدي للكورنيش نجد شابًا ينزف من رأسه بغزارة، يقول إن قنبلة الغاز سقوط فوقه. جرح غائر فوق الحاجب، أبحث عن شيء لربط الجرح فيناولني شاب طاقيته الصوف، يميل برأسه فألبسها له نزولاً لجرح الحاجب، لكنه يظل في حاجة لقطعة قماش لربط الجرح ووقف النزيف، نواصل المشي.. رؤية الدماء لماذا هي مفزعة لهذا الحد؟.. نمر بحرس المتحف وبعض العساكر بهراوتهم ومصداتهم، نمر إلى جوارهم فيتابعونا بتحفز.. لا أضمر أي نية لهؤلاء، أراهن على أن ظروفنا واحدة وتراودني ذات الفكرة الساذجة أننا كلنا مصريون، وأن معركتنا ليست مع هؤلاء بل مع من يقودونهم.. ربما يختلف الأمر ويغير كل منا فكرته عن الآخر لو جاءت لحظة للالتحام.

بحساسية اعتياد أثر القنابل المسيلة للدموع، تبدأ أعيننا في الهيجان مرة أخرى حين نشرف على طريق الكورنيش، أخمن أن مواجهة تدور رحاها في الخارج، لكن صوت الرصاص خلفنا يجبرنا على التقدم.. نخرج عدوًا في مجاميع، السماء ملبدة بالسحب الكثيفة والاختناق يعود من جديد، ننزل السلالم المؤدية إلى المراكب، يفك أحدهم حبل المركب ويقفز مع مجموعة إلى عرض النيل.. نجري إلى مركب ونتدافع فيه، يعدو صاحبه “رايحين فين؟” يسعل بشدة وهو يدخل إلى آخر المركب حيث المحرك، يصرخ فيمن يبدو أنه مساعده أن يأتيه بجركن جاز ليشغل المحرك ويخرج من هنا، يدور المركب ويذهب بنا إلى عرض النيل في اتجاه الريح بعيدًا عن سحب الدخان القوية، نرتمي على المقاعد نلتقط أنفاسنا.. في الأفق، أرى السيارات مكدسة فوق كوبري قصر النيل، والصف الأسود الطويل يطوقه من بدايته لنهايته.. يواصل المركب إبحاره، أحدهم بصحبة خطيبته على ما يبدو يسأل المراكبي “على فين؟” ينظر حوله “مش عارف، المهم بعيد عن الدخان”..

. . .

 



إلى لويز مع حبي
August 21, 2012, 11:51 pm
Filed under: Uncategorized

حلمت بلويز إردريك مرة أخرى.

كانت ترفل في ثوب بيتي مزركش بزهور باهتة تطير في الهواء. تأتي من ممر مظلم، تتبختر، على وجهها الابتسامة المتعبة التي لا تليق بتقاطيع الوجه الهندي المجعد كوسادة حجرية. هي الآن امرأة ناضجة، على مشارف الخمسين، أخمن أنها أيضًا جدة. رغم الحادث المأساوي لانتحار زوجها السابق، إلا أني لن أخاف من مصارحتها بحبي. لا أدري كيف سأقول هذا، هل سأبدأ بالحديث عن روايتها “لويز الجميلة.. روايتك رائعة، لم اقرأها، لكن لأنكِ أنتِ رائعة، الرواية غير مترجمة، وأنتِ كما تعلمين أنا لا أجيد الإنجليزية الأمريكانية حتى الآن بشكل يؤهلني لقراءة قصة قصيرة، لكني سمعت صوتك المبحوح، آه، تلك البحة المثيرة، سمعتك في شريط كاسيت تسردين فصول نادي الجزار الماهر، لم أفهم شيئًا، لكن توحدت بحكيك، تأثرت جدًا بتلوين صوتك، لستِ ماهرة في ذلك على أي حال، لكن أنتِ فاتنة بشكل خرافي لويز، هناك غلاف لإحدى رواياتك مع زوجك الجديد، زوجك في الصورة ينظر للكاميرا بدهشة، يبدو أبله جدًا، لم أحبه، لكن أنتِ فاتنة، لاحظتي اضطرابي لاشك، أفكاري غير مترابطة منذ الصباح ولا أستطيع التركيز في أي شيء، أشعر أني مكرر وممل، اعذريني، سأنصرف الآن، ربما تودين زيارتي، انتظرك في أي وقت لكن اتصلي قبلها. فيجي وأنا نقبلك يا عزيزتي، باي”.

. . . .



شيء ما يحدث ليس طبيعيا
August 21, 2012, 9:42 pm
Filed under: Uncategorized

رأى يومًا – إذ هو مطمئن إلى كرسيه على الطوار – عمالاً يملئون الطريق، يرشون رملاً أصفر فاقعًا يسر الناظرين، بين يدي موكب خطير. ولأول مرة في حياته يستثير دهشته شيء فيتساءل لماذا يرشون الرمل؟ ثم قال لنفسه إنه يثور فيملأ الخياشيم ويؤذي الناس، وهم أنفسهم يرجعون سراعًا فيكنسونه ويلمونه، فلماذا يرشونه إذاً؟، وربما كان الأمر أتفه من أن يُوجب التساؤل أو الحيرة، ولكن تساؤله بدا له كأخطر حقيقة في حياته وقتذاك، فخال أنه بصدد مسألة من مسائل الكون الكبرى، ووجد في عملية الرش أولاً والكنس أخيرًا والأذى فيما بين هذا وذاك حيرة أي حيرة، بل أحس ميلاً إلى الضحك، ونادرًا ما كان يفعل، فضحك ضحكًا متواصلاً حتى دمعت عيناه، ولم يكن ضحكه هذا محض انفعال طارئ، فالواقع أنه كان نذير تغيير شامل، خرج به من صمته الرهيب إلى حال جديدة، ومضى يومه حائرًا أو ضاحكًا، يحدث نفسه فيقول كالذاهل: يرشون فيؤذون ثم يكنسون.. هاهاها!.

. . . .

نجيب محفوظ – من قصة “همس الجنون”..