تجريب


بالمناسبة، معارضة الرئيس مجرَّمة دستوريًا !
February 8, 2013, 1:18 am
Filed under: Uncategorized | Tags: , , , , , ,

لم تعرف الدولة الإسلامية التاريخية – في ما أفرزته من أدبيات – آلية واضحة لانتخاب الحاكم بشكل مباشر من الرعية (الديمقراطية التمثيلية المتعارف عليها الآن)، بالتالي لم تُوضع آليات واضحة لمراقبته ومحاسبته إلا من خلال مجموعة “أهل الحل والعقد” الذين لم يذكر الفقهاء من يعينهم وكيف يُعينوا وكيف يُعزلوا!..

لن يذكر المشايخ لك هنا سوى بعض الأمثلة لعلماء مثل العز بن عبد السلام وأحمد بن حنبل وابن تيمية الذين وقفوا أمام الحاكم بمبادرات شخصية.. لكننا نتحدث عن آلية بدليل شرعي صحيح قاطع الدلالة كعقد واضح وصريح بين “الرعية” والحاكم، هل يوجد؟.

عرفت هذه الإشكالية بعض الاجتهادات، لكن خضوع الدولة لهيمنة الحكم العضود الذي دُشِن بعد انتهاء ولاية الخليفة الرابع – أو الخامس إذا حسبنا الحسن –، أطاح بهذه الاجتهادات وتجاهلها بزعم أن قائليها خوارج أو خارجين عن الإجماع.

لعل أفضل ما كُتب في هذه الإشكالية باجتهاد يراعي تغير الأحوال في العصر الحديث كتاب د. حاكم المطيري “الحرية أو الطوفان”، (كثير من الأصوليين انتقدوه بشدة!).

* * *

الإشكالية الأخرى الأصعب: متى يمكن الخروج على الحاكم؟

لديك أسباب عدة: الظلم والطغيان وغيرها من الشرور المطلقة، لكن ظلت هناك إمكانية للتجاوز عن كل هذه الشرور لو أظهر الحاكم الصلاح “ظاهريًا” ومكّن المسلمين من ممارسة طقوسهم الدينية علنًا ودون تضييق.

* * *

إذن، ينص دستور (2012) في مادته الثانية على أن “مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”.

ويفصل في المادة (219) أن “مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة”.

* * *

في فيديو منشور على يوتيوب لرجل دين محترف يُدعى محمود شعبان يحرّض فيه السلطة على قتل المعارضين وسفك دمائهم.

يعضد الشيخ فتواه – أو وجهة نظره – ببضع أحاديث صحيحة، أي واردة بأصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل “صحيح البخاري”.

بالتزامن خرج رجل دين آخر يُدعى أبو إسلام أحمد عبد الله بفيديو يشمت فيه ممن تعرضن للتحرش في ميدان التحرير ويصفهن بـ”الصليبيات والأرامل”، (هل كان هذا تبرير لجريمة التحرش بهن مثلاً؟).

* * *

نظريًا، لم يخالف الشيخ محمود شعبان الدين، بل جاء بأحاديث صحيحة أيدت فتواه.

لم يخالف أيضًا أحكام السياسة الشرعية، فمرسي حاكم، وله علينا السمع والطاعة، فتراث الشيخ لا يعرف “المعارضة” إلا خروجًا، وليس بمستبعد أنه اعتبر نفسه من “أهل الحل والعقد” الموكول إليهم – حصرًا – اختيار الخليفة ومراقبته كما تنص أدبيات الحكم في الإسلام، (أليس هذا كهنوت؟).

والآن، إذا كان الدستور هو المهيمن على القانون، والقانون مستمد من نصوص الدستور الذي ينص على أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع بأدلتها، إذن بالتالي لا يجب أن يبيح لك القانون في مثل هذه الحالة محاكمة شخص على استخدامه دليل شرعي وإصدار فتوى شرعية لم تخالف الشريعة، لا استدلالاً ولا إسقاطًا.. ولا إيه؟..

الدليل موجود وصحيح، والواقع أيضًا مطابق لمقتضى الفتوى.

* * *

أما الشيخ الثاني أبو إسلام، الذي وصف المتحرش بهن – وغيرهن من المتظاهرات – بأنهن متهتكات وصليبيات، فهو أيضًا غير مجرم بنص الدستور الإسلامي؛ فالراجح حسب جمهور العلماء في كتب الفقه أن سب غير المسلمة لا يوجب الحد أصلاً!.. (راجع فقه السنة للشيخ سيد سابق).

* * *

ملحوظة أخيرة: ما سبق هو محاولة للتفكير في مآلات تطبيق الشريعة – ولو بشكل جزئي – دون تحرير كثير من المفاهيم تبعًا لتغيرات الزمان.

morsi

Advertisements


فلما كانت الحرب الأهلية.. عن معركة المفاهيم التي تأجلت كثيرا

حتى حلول مساء يوم الأربعاء 05-12 لم أكن أعرف بالضبط ما يدور في الخارج حتى سمعت عصام العريان على شاشة الجزيرة والمذيعة تسأله عن كيفية الخروج من الأزمة، فإذا به يصرخ في الشعب أن ينزل ليحمي ما أسماه الشرعية عند الاتحادية، كررها عدة مرات بشكل هستيري. أعطاني هذا تصور مبدئي عما يدور هناك.

حين أوقفت التاكسي وقلت الخليفة المأمون مصر الجديدة، رفض السائق فقلت له “من بعيد لبعيد يا معلم”.

نزلت عند مدخل الخليفة المأمون. في بداية الشارع كانت الأجواء متوترة، المتظاهرين يحاولون تأمين المدخل لكن عددهم ليس بالكثير. توغلت حتى وصلت إلى خط التماس بين الطرفين.

سترى الآن، شارع شبه مظلم. حشود كبيرة نسبيا للرافضين، في مواجهتهم جحافل من المؤيدين تضم أشخاص ملتحين وإخوان.

كانت الحرب دائرة في شكل تراشق بالحجارة بين الطرفين، انخرطت مع المدافعين عن مواقعهم في منتصف الشارع وتقدمنا عدة مرات بالفعل. كان الإخوان يتقهقرون لكن لنقطة محددة، وكان الاتحادية يلوح في أفق مظلم نسبيا يحوطه مئات الأشباح.

لو كانت هذه حرب أهلية، فهي عبثية ومضحكة. المسافة الواسعة بين الطرفين تجعل الجميع خارج مجال قذف الحجارة، وفي كل مرة عليك التقدم وحدك أو بمجموعة صغيرة لقذف الحجارة التي تضمن أنها ستصيب المتحمسين الذين يقودون الجمع في المعسكر المضاد.

ضربت الحجارة بكثافة على معسكر الأعداء حتى انخلع كتفي مدافعا عما أتصور أنه خياراتي ومدافعا عن حقي في وجه السلطة التي اختاروا الانحياز لها، ما كان يثير حنقي هؤلاء الذين يتراجعون ويكشفون ظهرنا حين نوشك على التقدم.

بين معسكر المؤيدين كنت أرى رجالا تجاوزوا الأربعين يقذفون الحجارة، هناك ملتحين أيضا يقفزون في الهواء بجلابيبهم لرشق الحجارة. ضحكنا جدا.

على إثر إصابة طفيفة في ركبتي تراجعت للخلف كي أتفقدها، وحين عدت وجدت معسكر المؤيدين يرفعون أيديهم في الهواء ويقتربون، من أسميهم بكل أريحية معسكر الثوار بعضهم رفع يده أيضا، التقى الجمعان ودار نقاش عشوائي بين الجميع، هدوء وحدة وتلويح بالأيادي وطبطبة على الأكتاف، يتخلل ذلك قذف الحجارة من حين لآخر من بعض الأشخاص في الصفوف الخلفية. لكن الرفض من الثوار كان عنيفا فانهارت الهدنة الهشة وتراجع الجميع مرة أخرى إلى مواقعهم واستأنفوا الحرب. انتبهت إلى أنني صرت في معسكر المؤيدين فتراجعت بينهم حين رأيتهم يسحلون شاب صغير يوسعونه ضربا، اقتربت وحاولت فضهم بالصراخ أنه أعزل، لكن شخص ملتحي كان يزيح الجميع ليضربه بجنون وهو يصرخ بهستيرية “هاتوه هاتوه”. أمسكت الملتحي من ذراعه وجذبته بعيدا كي يكف عن الضرب، كانت عيناه جاحظتان والعرق يغرق جبهته وعلامات الجنون ظاهرة على وجهه وكان يلهث بانفعال شديد، عرفت حينها شيء عن أعراض المرض النفسي العصابي.

ضرب شخص أعزل بهذه الوحشية من جمع أحاط به وشل حركته – حتى ولو كان هذا الجمع يمثل القانون ويحتكر بموجبه العنف، كالبوليس – غير مقبول أصلا، ما بالك بمن يدعي أنه يعتنق منظومة قيمية مفترض أنها تجرّم التعذيب والاعتداء على الأسير والأعزل.

توغلت خلف ما يوصف بخطوط العدو، كان حشد الأعداد كبيرا بالفعل، والوجوه أغلبيتها العظمى ريفية.

ما يمكن أن تراه في جمع أغلبه إخواني هم أشخاص يشبهون بعضهم لحد كبير، لحد مدهش في الحقيقة.

نمط الزي واحد تقريبا، ملابس كلاسيكية، تقليدية للغاية. أيضا اللحى الخفيفة وتسريحة الشعر العادية. تستطيع تميز حشود الإخوان بمجرد النظر إليهم.

كان هناك أربعينيون وأشخاص كبار في السن لحاهم بيضاء يبدو أنهم قادة “الأسر” أو “الشُعب” الموجودة، كانوا هنا كقادة ميدانيين يديرون المعركة، بل إن بعضهم كان يجمع الحجارة من عند قضبان مترو مصر الجديدة ويعبئونه في أجولة لنقله لصفوف القتال الأمامية. خفت التقاط صور كي لا ينتبه أحد، كنت أعي أيضا أني في بيئة معادية، لم أجرؤ حتى على إشعال سيجارة بينهم.

لكن حزنا عميقا تملكني أن يدفع هؤلاء الذين ينظرون لأنفسهم كقياديين في الجماعة بهذا الشباب الصغير كي يقتل نفسه بينما هم في الخطوط الخلفية يدردشون ويشربون الشاي. تحكموا في شباب صغير لدرجة طريقة الفهم واللبس وقصة الشعر. أصبح شباب الإخوان نسخ مكررة من بعضهم، ونسخ مكررة من قياداتهم.. داهمني شعور شديد ببؤس هذه الأجواء، بما يمكن أن ينال من حريتي بشكل حقيقي إن فرض هؤلاء عليّ قناعاتهم، وهو برأيي ما كانوا يفعلوه هنا، يريدون الجميع مثلهم، بأفكارهم وقناعاتهم ومفاهيمهم وحتى طريقة لبسهم، ولو اضطروا لاستخدام العنف. إنها جماعة نازية.

* * *

لا يحتاج الاستبداد – كفكرة بدائية – إلى خلفية معرفية، باعتباره مفهوم قائم على الاستسلام للغرائز، مثل الانتشاء بالقوة والرؤية الأحادية، بينما تحتاج الحرية – كمفهوم – لقدر ولو بسيط من المعرفة كي تتفهم معنى حق الإنسان في التظاهر والتعبير عن الرأي، وأن الشخصيات العامة معرضة للنقد لأقصى درجة، وأن السلطة لا تحتاج لمؤيدين لأنها تملك قوة القانون والأجهزة الأمنية التي تجعلها قادرة على فرض قراراتها دون الحاجة لمدنيين يخوضوا حربا أهلية مع مواطنين مثلهم. فمتى تفهم الجماعة أنها في الحكم وليست في المعارضة؟، وأنه من غير المنطقي أن تشغل ذات المكانين، السلطة والمعارضة؟، هذا إقصاء اعتمده النازيون والفاشستيون وغيرهم من النظم البائدة.

تحديدا ما يتعلق بما يُسمى إهانة الرئيس، ستجد مؤيدين مرسي من الخليجيين ينتقدون هذه الجزئية تحديدا، هؤلاء لا يعرفون الرئيس الموظف، بل تربوا على تأليه الأسر الحاكمة؛ هم دائما تحت وطأة التقديس دون النظر لاعتبارات أخرى كالمساءلة والرقابة والمحاسبة، ناهيك عن حرية الرأي والنقد والتعبير، وناهيك أيضا عن الرؤية المستدعاة من الدولة الإسلامية التاريخية التي لا تتحدث عن رئيس موظف، بل عن خليفة للمسلمين وقائد للأمة إلى آخر هذا الهراء.

في هذا السياق تحديدا يقول ابن حزم: “من تصدر لخدمة العامة، فلابد أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس؛ لأنه لا محالة مشتوم، وإن واصل الليل بالنهار”..

كما لا يقر أي قانون أو منطق أن يُقتل شخص ما بسبب سُبة.. هاجم الإخوان معتصمي الاتحادية زاعمين أنهم كتبوا عبارات وصفوها بالمسيئة للرئيس على سور قصر الاتحادية، أحه!.

هذه مفاهيم كنا نظن أننا شيعناها إلى مزبلة التاريخ.

مثلها أيضا مفهوم احتكار الحديث باسم “الشعب”؛ وفي الحقيقة استغرب من يجرؤ عن الحديث باسم الشعب. هذا مفهوم من ميراث استبداد ضارب بجذوره في تاريخنا وثقافتنا.

وحتى لو كنت في موقع السلطة وأردت أن تتحدث باسم الشعب، عليك بدايةً أن تجيب عن إشكالية قديمة: “عمن تعبر السلطة في المجتمع؟”. حتما ليس الجميع، ما بالك برئيس جاء بأصوات 15% فقط من الشعب على أفضل تقدير (بحساب المصوتين لخصمه والمقاطعين واللامباليين أصلا وهم أيضا شعب).

الشعب، مفهوم غامض، استغلته الأنظمة السلطوية للتعبير عن كيان معنوي لا وجود له.

وفي تحليل الباحث د. شريف يونس لمفهوم “ديكتاتورية الشعب” الذي نحته عبد الناصر، رغم أن الشعب وقتها لم يكن ممثل في أي من مؤسسات الدولة، خلص إلى نتيجة مفادها أن: “ديكتاتورية الشعب هي إقامة وحراسة فراغ سياسي يُسمى الشعب”. (نداء الشعب.. تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية، ص 99).

الجميع شعب، والفرد أيضا شعب.

* * *

يتحدث من يدعمون الديكتاتور مرسي عن فكرة أنه لا يليق بالرئيس التراجع وإلا انهارت مش عارف إيه.. مثل يسري حماد الذي يتحدث ل السي بي سي بينما أكتب هذا الكلام.

هذه فكرة لا تستحق النقاش، هؤلاء ولاد متناكة لن يفهموا أي شيء أبدا.

ما أسفرت عنه معركة الأمس، تؤكد – لديّ على الأقل – ضرورة حل جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية كلها، واستبعاد قياداتهم من العمل السياسي بتهمة إفساد الحياة السياسية ومحاكمتهم على استخدام العنف ضد المتظاهرين، الأهلي والشرطي، والتحريض ضدهم لحد تكفيرهم.

* * *

ما تفوق فيه مرسي على المخلوع هو استحضار التجربة الناصرية بتفاصيلها، تحصين قرارات السلطة المؤَيَدَة ببعض الشعبية – وفي مرحلة استثنائية لها ظروفها – وحشد الأنصار الذين وقف آباءهم وأجدادهم ذات يوم من عام 54 يهتفون “تسقط الحرية”، كان ذلك قبل أن ينقلب نظام يوليو على الجميع وقتذاك بما فيهم الإخوان الذي وقفوا إلى جوار عبد الناصر.

محاولة للسيطرة على الحكم بعد استغلال الديمقراطية لمرة واحدة بإصدار إعلان دستوري ملكي، وضمان استمراره بدستور بائس كان مفترض أن ينص على حقوق المواطن وينحاز إليه ضد السلطة، رغم ذلك صدر تحت حماية السلطة نفسها!..

الإخوان يطبقون التجربة الناصرية، بما يشمل ذلك استخدام العنف، الفارق أن نظام يوليو لم يكن لديه أنصار بهذا الحجم معتنقين لأيديلوجيته الغير موجوده أو الهلامية. الجماعة هي نمط يشبه لحد كبير الحزب النازي.

* * *

يذكر التاريخ أنه قبيل انقلاب يوليو وكانت البلاد تغلي زار المرشد “حسن الهضيبي” الملك مؤكدا ولاء الجماعة للقصر.

بعد الانقلاب ساند الإخوان عبد الناصر، ووقفوا إلى جواره حين اندلعت تظاهرات تطالب بعودة الأحزاب، لدرجة أن خرج مرشدهم “الهضيبي” يتساءل: “عن أي أحزاب يتحدث هؤلاء؟”.

فيما بعد صدر القرار بحل جماعة الإخوان، واعتقل الآلاف من أعضاءها، مثلما اعتقل غيرهم من أحزاب الشيوعيين والوفد ومصر الفتاة..

يذكر التاريخ أيضا أن “الهضيبي” أُوقِف بعد تصفية الإخوان ليقود بفرع شجرة في يده الإخوان المسجونين في نشيد “يا جمال يا زعيم الوطنية”.

المدافعون عن خياراتهم | صورة أرشيفية من رويترز

صورة أرشيفية من معركة شارع عيون الحرية الثالثة نوفمبر 2012 | رويترز



ذهنية الطائفة لدى الإسلاميين.. الإخوان نموذجا

من لا يعرف الإخوان والسلفية، أي من لم يمر بتجربة الانخراط في صفوفهم في أي مرحلة عمرية، لن يفهم أن الإخوان أو السلفيين كيانات قائمة بذاتها، مغلقة على نفسها، غير منفتحة لا على الصعيد الفكري ولا الاجتماعي، والاجتماعي هو الأهم هنا يليه الفكري.

قناعاتك – أيا كنت وأيا كانت – من المفترض أن تكون دوما عرضة لتطور أو تغيير، أي تأثير يزحزحها عن ثباتها، ولو حتى بتقدم العمر، ولو حتى بمراجعة مع شخص يختلف معك فكريا، هناك حتما تغيير يطرأ لأي سبب.

العزلة الاجتماعية تجعل الخبرة الفكرية تتطور داخليا، ومنظور رؤيتك تشاركه مع أمثالك ممن ليسوا أقل عزلة منك. ستصل في النهاية لنتيجة محدودة ومؤطرة ولا تتجاوز السقف المسموح لك به، دينيا أو تنظيميا – أي اجتماعيا – .

قبل أن يعلن مرسي عن قراراته الكارثية، صدرت الأوامر لأفراد جماعة الإخوان المسلمين بالتحرك لقصر الاتحادية لتأييد الرئيس على قرارات غير معروفة للرأي العام.

وهنا ملاحظة مهمة فشخ: هل تسربت قرارات الرئيس المصري لجماعة الإخوان قبل أن يعرف عنها الشعب شيء فحركوا أتباعهم؟، وهل شاركت الجماعة في صياغتها أو التوجيه لها، أو حتى الاطلاع عليها – وهو الأمر الذي لم يتسنى لغيرهم – ؟!

تصرف الرئيس إذن داخل جماعته، الذين يعرفهم ويألفهم، وحتى حين خرج – بعد ليلة طويلة من الاحتجاج العنيف –  فهو لم يبالي بمخاطبة “الشعب” عبر الإعلام الرسمي، بل خرج ل “أهله وعشيرته” المنتظرين طلّته خارج قصر الاتحادية. هو حديث داخلي، يقتضي بالضرورة إنكار أي حق للآخرين، إن لم يكن اعتبارهم أعداء، أو أي معنى قريب من ذلك.

غير غريب أيضا ما لاقته القرارات الكارثية من ترحيب في أوساط الإسلاميين عموما، مع اعتقادي يقينا أن بعضهم لم يفهمها أو يسمعها بالكامل.

هذه ذهنية طائفية بحتة: كبير الطائفة اتخذ قرارا ما، عظيم، لكن الآخرين رافضين له، أوغاد.

حتى من فهموها أيدوها وبإصرار، أغلبهم اعترف أنها ربما تكون استبدادية بعض الشيء لكنه لن يستبد.. هذه أيضا ذهنية طائفية. ثقة مبعثها أنه منا، ابن طائفتنا، وإن أضر بالجميع لن يضرنا حتما.

رغم أن الإسلاميين يعرفون – وللمفارقة – أن الله تعالى يقول: “إذا تداينتم بدين فاكتبوه”، وآيات الدَين تأمر الطرفين بكتابته مهما كانت ثقة الطرفين في بعضهما، بينما أنت هنا تتحدث عن دولة كاملة، تجعلها رهينة لتقوى الحاكم، أحه يعني!

من اليوم الأول لتنصيب مرسي ديكتاتور مطلق، استهلكنا نقاش كبير يدور حول بديهيات، وإعادة تعريف مصطلحات استقر على تعريفها العالم بل وبدأ في تجاوزها، ما الدولة، ما الاستبداد، ما السلطات الثلاث.. حوار عبثي لكنه لا يشغل الآخرين الذين يتحركون في سياق طائفة تعتقد أنه تجمعها صداقة ما بالله.

أنصار الرئيس مرسي من جماعة الإخوان في تظاهراتهم المؤيدة لقراراته أمام قصر الاتحادية | رويترز



الدولة البائسة.. هوامش على أحداث شارع عيون الحرية

منذ أيام، كتب صديقي وزميلي الذي عملت معه لأعوام على حسابه الشخصي على فيسبوك يطالب بـ “جز أعناق” هؤلاء الذي يتظاهرون ضد هيبة الدولة في شارع عيون الحرية (محمد محمود سابقًا).

ينتمي زميلي لحزب الحرية والعدالة، ولا أدري هل ينتمي للإخوان كجماعة أم لا، فلم ألحظ خلال صداقتنا الطويلة أي ارتباط له واضح بجماعة الإخوان.

كان صديقي سبق وأبدى ندمه – إبان الانتخابات الرئاسية – على التخلي عن “الثوار” في معركة محمد محمود الأولى والثانية ومعركة مجلس الوزراء، قال إنه اكتشف أنهم كانوا محقين وأن المجلس العسكري لا أمان له وأنه يمثل بالفعل الثورة المضادة بل وأصبح يردد يسقط يسقط حكم العسكر.. وبالمناسبة، انتشرت هذه الفكرة لدى الإسلاميين في فترة ما قبل الانتخابات الرئاسية بأيام بسيطة، ثم تبددت تدريجيًا بعد نجاح مرشح الإخوان، حتى وصلت إلى مرحلة المطالبة بـ “جز رؤوس المتظاهرين”.

عمومًا، لم يكن النظام السابق يملك أي أطروحات فكرية يعضد بها أركان حكمه، لم يكن حزبًا عقديًا كحزب البعث في سوريا أو العراق، ولم يكن حزبًا له أيديولوجية واضحة أو مرجعية فكرية معروفة، كان عبارة عن تجمع خليط من رجال الأعمال وممتهني السياسة والكتّاب والمفكرين الذين يعملون على التنظير لأي هراء يقوله النظام..

كان هذا بالمناسبة امتداد أكثر رداءة لنظام يوليو الذي قضى سنوات طويلة في محاولة للتعريف بأيدلوجية وهمية لم يبق منها سوى مئات الخطابات للبكباشي جمال عبد الناصر، هذه الخطابات التي تلقفها أتباع النظام الناصري يحاولوا عنوة صياغة نظرية ناصرية منها.

لم يكن يجمع رجال النظام السابق إذن سوى شبكة من المصالح، ولم يكن النظام نفسه يؤمن بشيء ولا يُروج لشيء حقيقي، ليس سوى بعض الأكاذيب التي تضمن بقاءه في السلطة.

بقدوم الإخوان المسلمين للسلطة، أصبحنا أمام نظام مستبد، باعتبار أن المعنى الدقيق للاستبداد هو فرض السيطرة الكاملة وتدعيم أركان الدولة المركزية، هذا النظام جاهز بمفاهيمه وتفسيراتها والقدسية التي تحمي المفهوم وتفسيره على حد سواء.

لم يكن الإسلاميين ثوريين بطبيعتهم، بل كانوا يميلون لما يُسمى بالنهج الإصلاحي، الذي يعني بالضرورة إمكانية دائمة للتعامل مع الوضع مهما كان سوءه ودون رغبة حقيقية في التغيير الجذري، أيًا كان.. نتحدث هنا عن الإخوان تحديدًا دون غيرهم من القوى الإسلامية التي تضم تيارات أكثر راديكالية مثل السلفية الجهادية التي تقوم أدبياتها على التغيير الجذري والحاد.

لم يغير الإخوان شيئ ولن يغيروا في المدى القريب.

الإسلاميين أيضًا – بالعموم – ليسوا ديمقراطيين، وإن اضطر فصيل منهم لخوض غمار العملية الديمقراطية فلأن ذلك كان من متطلبات مواجهة نظام مستبد وقمعي، تضطر أن تواجهه بنفس القواعد وأن تزايد عليه فيها، مثل أن تدعي أنك أكثر ديمقراطية وتطالبه بأن يترك الحكم للصندوق.

والإخوان حتى إن تمكنوا – كفصيل إسلامي – من مقاليد الحكم سيتظاهرون أنهم يدعون الناس للتصويت بحرية في ظل الحكم الإسلامي، (اتقاءً لغضب القوى المدنية وكي لا يصطدموا بقناعات رجل الشارع البسيط) لكنها ستظل ديمقراطية منقوصة لأنها ستتحول في خطب الجوامع إلى معركة بين كفر وإيمان كما شاهد الجميع.

بالتالي من غير المتصور، أن يصل الإسلاميين للحكم، ثم يقبلون ببساطة الدخول في تجربة لتداول هذا الحكم مع وجود احتمالية أن يسقط في يد العلمانيين الكفرة.

نقطة أخرى مهمة: لم تعرف الدولة الإسلامية التاريخية تجربة للرقابة على السلطة، ولا تحدثت كتب التاريخ عن أي آلية بهذا الخصوص، سوى بعض القائلين للحاكم: اتق الله.

بالتالي كان مجرد انتماء الحاكم للإسلاميين، سببًا أصيلاً في استماتتهم للدفاع عنه، متجاوزين عن تقصيره دائمًا.. هم لن يعارضوه إلا من باب العتب أو ذر الرماد في عيون المعارضين العلمانيين.

هذا إن لم يعتبر الإسلاميين معارضة رئيسهم (خليفتهم) في شؤون تتعلق بالمتطلبات المعيشية البحتة للناس هي محاربة للدين ومؤامرة على الإسلام، وهو ما حدث بالفعل.

دانت السلطة إذن للإسلاميين، بغض النظر عن الآلية أو الثمن أو حتى الوعود التي اتضح زيف كثير منها.. وأثبتت تجربة حكمهم القصيرة لمصر أن العداء السياسي يتحول بالضرورة لعداء عقدي، يجعلهم يحرضون على انتهاك حقوق المخالف لهم بأعنف الطرق (جز العنق).

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الدولة الإسلامية التاريخية لم تعرف أي مفهوم يتعلق بـ”المواطنة” أو قريب منها، نفهم أن غير المسلمين قد عانوا تمييزًا حادًا في كل شيء حتى تطبيق الحدود، ما بالك بالكفار الذين لا دين لهم أصلاً؟.

فعلى سبيل المثال: دية قتل المسلم لغير المسلم لا تتساوى أبدًا مع دية قتل غير المسلم للمسلم..

وحد جلد غير المسلم الذي سب مسلمة، لا يتساوى أبدًا مع حد المسلم الذي سب غير المسلمة، بل الراجح حسب جمهور العلماء في كتب الفقه أن سب غير المسلمة لا يوجب الحد أصلاً!.

هذا فيما يتعلق بغير المسلم أي الذمي، ما بالك بمن تراه الدولة الإسلامية كافرًا؟، بالطبع ليس أقل من حز العنق، ليس حتى المطالبة بمحاكمته وتقصي أسباب تمرده وغضبه، بل حز عنقه فورًا لأنه فقط جرؤ على تحدي السلطة والتصدي لانتهاكات ميليشيا الداخلية وإعلان احتجاجه على عدم نيله لحقوقه، رغم كل وعود مرشح التيار الإسلامي الذي وعد وأخلف.

ما نعيش فيه جميعًا هي دولة بائسة، يحكمها نظام مثير للشفقة، يسعى لحتفه دون محاولة لتفادي الانزلاق نحو الحافة.. نظام سلطوي لديه ثقة متبادلة مع أتباعه، وقبلها الثقة في جهل الشعب الذي يسهل خداعه بشعارات دينية تداعب حسه الديني لكنه بدأ يشعر أن الإسلاميين “بيشتغلوه”.

في مصر، هناك الكثير من الغضب والإحباط، وهناك انطباع واضح يسود أن الإسلاميين فشلوا في تحقيق حتى حالة من الاستقرار، لا نتحدث عن أي تقدم يُذكر، فقط توفير حالة من الاستقرار وفرها النظام السابق نسبيًا.

الفارق أن النظام السابق وفر حالة استقرار مصحوبة بيأس مطبق من التغيير، وكنا نأمل أن يوفر النظام الحالي حالة من الاستقرار لالتقاط الأنفاس مصحوبة بأمل في التغيير ولو بمعدل بطيء.

نحن في بضعة شهور انتكسنا عقودًا للخلف، ولو على صعيد المفاهيم التي فرضتها مرحلة ما بعد 11 فبراير 2011، بينما يبشر الدستور الرديء الذي يُكتب بمزيد من تكريس مفاهيم تضمن تخلفنا مئات السنين.

جنود الأمن المركزي يقذفون المتظاهرين بالحجارة من مبنى مدرسة ليسيه الحرية بشارع محمد محمود سابقًا | رويترز

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استدراك 23-11-2012 :

دستور مرسي المؤقت واضح أكثر مما ينبغي، وعبثي أكثر مما ينبغي. هذه هي بالضبط الدولة البائسة التي نتكلم عنها.

لكن عموما، الذين يتكلمون عن فكرة “ديكتاتور مؤقت”، هي فكرة بلهاء وعبثية تماما.

انتُخِب هتلر ديمقراطيا ثم تحول حكمه إلى أشهر ديكتاتورية في التاريخ يتحكم فيها عقل ملتاث.

لا تقوم الدول على ضمانات شفهية أو كلمة شرف، خاصة من شخص هو يحمل صلاحيات نفي كل ما قاله والانقلاب على كل ما وعد به بقوة الدستور والقانون.

ما أصدره مرسي من إعلان دستوري يمكنه ببساطة من أن ينيك البلد، أن يبيع البلد، أن يقتل الشعب وهو آمن تماما من العقاب، هذه حقائق وليست مجازا.

رئيس غلّف أحكاما ديكتاتوريا بامتياز ببعض الرشاوي للشهداء وأسرهم.

قرر أيضا محاكمة قتلة الثوار، عظيم، لكنه لم يعيد هيكلة الداخلية وتطهيرها، وهي المعنية بجمع الأدلة التي تُدين القتلة، وكانت سببا في تبرئة قتلة مباشرين للشعب.

المحاكمات الجنائية أيضا مقيدة بقانون إجراءات جنائية لا يَسمح للمدعي بالذهاب إلى أبعد من الحكم الذي صدر على المخلوع: التقصير في حماية المتظاهرين.

بديهيات قانونية يعرفها البعض، خاصة الذين يخوضون صراعات على أراض في الصعيد ووجه بحري: في المعارك الكبيرة وأيا كان الذين يسقطون قتلى، في الغالب يُطلق سراح المقبوض عليهم تحت مبرر “شيوع الاتهام”؛ لذلك حين يخوض طرف ما صراعا يحرص على أن يكون ضمن مجاميع؛ لأن الجميع يعرفون هذه البديهية.

أيضا في جرائم القتل، حين تعثر على دليل القتل، تحتاج للربط – بشكل مباشر – بينه وبين من يُتهم بأنه القاتل. بالتالي كان الحل هو فكرة العدالة الانتقالية التي تحدث عنها البعض.

المفارقة أن من يتحدث عن حماية الرئيس “الإخواني” للثورة، ينسى أن الإخوان ليسوا ثوريين، لا على صعيد النظرية والأدبيات ولا على صعيد التطبيق. في موجات الثورة التالية التي وُجهت بالأساس لاستبداد المجلس العسكري، أخذ الإخوان صفه، ثم انقلبوا عليه حين ارتأت مصالحهم ذلك وتصاعد التراشق اللفظي بين الطرفين، وربما تلاقيا بعدها في تفاهمات ما غير معلنة.

ليس هناك معيار عند الإخوان تحديدا لما هو ثوري وما هو غير ثوري، ليس إلا مصالحهم حسبما رأينا ونرى. وفي كلا المعسكرين “الثائرين” الذين رأينهم، عند الاتحادية وفي شارع عيون الحرية، سنعرف بالضرورة أن الرئيس الذي احتكر حماية الثورة دون معايير ولا ضوابط سيميل لأي الطرفين.

أيضا أنت أمام أهم استحقاق للوطن، كتابة الدستور، لا تعلم ما الذي قد يحويه، وهل الضمانة التي منحها آية الله المرسي لإخوانه أن يكتبوه منفردين سيرسخ لحكمه وحكم إخوانه من بعده أم لا؟!..

إعلان آية الله المرسي الدستوري، يعطي الجمعية التأسيسية حق كتابة الدستور ولو ظل فيها شخص واحد، والذي سيكون بالضرورة إخواني، لا توافق ولا اتفاق ولا خرا.

فكرة أن يقبل الإسلاميين بالاستبداد المطلق الذي حمله إعلان مرسي الدستوري، في جانب منه هو قبول بالدولة الإسلامية التاريخية التي تعطي للحاكم بأمر الله أو الخليفة السلطات المطلقة، دون أي آلية لمراقبته ومحاسبته، وهؤلاء الذين وقفوا لمؤازرة الديكتاتور عند قصر الاتحادية هم أنفسهم أنصار السلطان أو الخليفة قديما، وهم الذين أودوا بالإمبراطورية الإسلامية قديما.

هؤلاء الذين لم يثوروا بالأصل على المخلوع مبارك – رغم أنه كان أقل استبدادا وفق الذي حدث – سيقبلون بحاكم مطلق لمجرد أنه “إسلامي”، يستطيع أن ينيك زوجة أحد الأخوة – وفق صلاحياته الجديدة – دون أن يملك الأخوة من أمرهم شيئا.