تجريب


فلما كانت الحرب الأهلية.. عن معركة المفاهيم التي تأجلت كثيرا

حتى حلول مساء يوم الأربعاء 05-12 لم أكن أعرف بالضبط ما يدور في الخارج حتى سمعت عصام العريان على شاشة الجزيرة والمذيعة تسأله عن كيفية الخروج من الأزمة، فإذا به يصرخ في الشعب أن ينزل ليحمي ما أسماه الشرعية عند الاتحادية، كررها عدة مرات بشكل هستيري. أعطاني هذا تصور مبدئي عما يدور هناك.

حين أوقفت التاكسي وقلت الخليفة المأمون مصر الجديدة، رفض السائق فقلت له “من بعيد لبعيد يا معلم”.

نزلت عند مدخل الخليفة المأمون. في بداية الشارع كانت الأجواء متوترة، المتظاهرين يحاولون تأمين المدخل لكن عددهم ليس بالكثير. توغلت حتى وصلت إلى خط التماس بين الطرفين.

سترى الآن، شارع شبه مظلم. حشود كبيرة نسبيا للرافضين، في مواجهتهم جحافل من المؤيدين تضم أشخاص ملتحين وإخوان.

كانت الحرب دائرة في شكل تراشق بالحجارة بين الطرفين، انخرطت مع المدافعين عن مواقعهم في منتصف الشارع وتقدمنا عدة مرات بالفعل. كان الإخوان يتقهقرون لكن لنقطة محددة، وكان الاتحادية يلوح في أفق مظلم نسبيا يحوطه مئات الأشباح.

لو كانت هذه حرب أهلية، فهي عبثية ومضحكة. المسافة الواسعة بين الطرفين تجعل الجميع خارج مجال قذف الحجارة، وفي كل مرة عليك التقدم وحدك أو بمجموعة صغيرة لقذف الحجارة التي تضمن أنها ستصيب المتحمسين الذين يقودون الجمع في المعسكر المضاد.

ضربت الحجارة بكثافة على معسكر الأعداء حتى انخلع كتفي مدافعا عما أتصور أنه خياراتي ومدافعا عن حقي في وجه السلطة التي اختاروا الانحياز لها، ما كان يثير حنقي هؤلاء الذين يتراجعون ويكشفون ظهرنا حين نوشك على التقدم.

بين معسكر المؤيدين كنت أرى رجالا تجاوزوا الأربعين يقذفون الحجارة، هناك ملتحين أيضا يقفزون في الهواء بجلابيبهم لرشق الحجارة. ضحكنا جدا.

على إثر إصابة طفيفة في ركبتي تراجعت للخلف كي أتفقدها، وحين عدت وجدت معسكر المؤيدين يرفعون أيديهم في الهواء ويقتربون، من أسميهم بكل أريحية معسكر الثوار بعضهم رفع يده أيضا، التقى الجمعان ودار نقاش عشوائي بين الجميع، هدوء وحدة وتلويح بالأيادي وطبطبة على الأكتاف، يتخلل ذلك قذف الحجارة من حين لآخر من بعض الأشخاص في الصفوف الخلفية. لكن الرفض من الثوار كان عنيفا فانهارت الهدنة الهشة وتراجع الجميع مرة أخرى إلى مواقعهم واستأنفوا الحرب. انتبهت إلى أنني صرت في معسكر المؤيدين فتراجعت بينهم حين رأيتهم يسحلون شاب صغير يوسعونه ضربا، اقتربت وحاولت فضهم بالصراخ أنه أعزل، لكن شخص ملتحي كان يزيح الجميع ليضربه بجنون وهو يصرخ بهستيرية “هاتوه هاتوه”. أمسكت الملتحي من ذراعه وجذبته بعيدا كي يكف عن الضرب، كانت عيناه جاحظتان والعرق يغرق جبهته وعلامات الجنون ظاهرة على وجهه وكان يلهث بانفعال شديد، عرفت حينها شيء عن أعراض المرض النفسي العصابي.

ضرب شخص أعزل بهذه الوحشية من جمع أحاط به وشل حركته – حتى ولو كان هذا الجمع يمثل القانون ويحتكر بموجبه العنف، كالبوليس – غير مقبول أصلا، ما بالك بمن يدعي أنه يعتنق منظومة قيمية مفترض أنها تجرّم التعذيب والاعتداء على الأسير والأعزل.

توغلت خلف ما يوصف بخطوط العدو، كان حشد الأعداد كبيرا بالفعل، والوجوه أغلبيتها العظمى ريفية.

ما يمكن أن تراه في جمع أغلبه إخواني هم أشخاص يشبهون بعضهم لحد كبير، لحد مدهش في الحقيقة.

نمط الزي واحد تقريبا، ملابس كلاسيكية، تقليدية للغاية. أيضا اللحى الخفيفة وتسريحة الشعر العادية. تستطيع تميز حشود الإخوان بمجرد النظر إليهم.

كان هناك أربعينيون وأشخاص كبار في السن لحاهم بيضاء يبدو أنهم قادة “الأسر” أو “الشُعب” الموجودة، كانوا هنا كقادة ميدانيين يديرون المعركة، بل إن بعضهم كان يجمع الحجارة من عند قضبان مترو مصر الجديدة ويعبئونه في أجولة لنقله لصفوف القتال الأمامية. خفت التقاط صور كي لا ينتبه أحد، كنت أعي أيضا أني في بيئة معادية، لم أجرؤ حتى على إشعال سيجارة بينهم.

لكن حزنا عميقا تملكني أن يدفع هؤلاء الذين ينظرون لأنفسهم كقياديين في الجماعة بهذا الشباب الصغير كي يقتل نفسه بينما هم في الخطوط الخلفية يدردشون ويشربون الشاي. تحكموا في شباب صغير لدرجة طريقة الفهم واللبس وقصة الشعر. أصبح شباب الإخوان نسخ مكررة من بعضهم، ونسخ مكررة من قياداتهم.. داهمني شعور شديد ببؤس هذه الأجواء، بما يمكن أن ينال من حريتي بشكل حقيقي إن فرض هؤلاء عليّ قناعاتهم، وهو برأيي ما كانوا يفعلوه هنا، يريدون الجميع مثلهم، بأفكارهم وقناعاتهم ومفاهيمهم وحتى طريقة لبسهم، ولو اضطروا لاستخدام العنف. إنها جماعة نازية.

* * *

لا يحتاج الاستبداد – كفكرة بدائية – إلى خلفية معرفية، باعتباره مفهوم قائم على الاستسلام للغرائز، مثل الانتشاء بالقوة والرؤية الأحادية، بينما تحتاج الحرية – كمفهوم – لقدر ولو بسيط من المعرفة كي تتفهم معنى حق الإنسان في التظاهر والتعبير عن الرأي، وأن الشخصيات العامة معرضة للنقد لأقصى درجة، وأن السلطة لا تحتاج لمؤيدين لأنها تملك قوة القانون والأجهزة الأمنية التي تجعلها قادرة على فرض قراراتها دون الحاجة لمدنيين يخوضوا حربا أهلية مع مواطنين مثلهم. فمتى تفهم الجماعة أنها في الحكم وليست في المعارضة؟، وأنه من غير المنطقي أن تشغل ذات المكانين، السلطة والمعارضة؟، هذا إقصاء اعتمده النازيون والفاشستيون وغيرهم من النظم البائدة.

تحديدا ما يتعلق بما يُسمى إهانة الرئيس، ستجد مؤيدين مرسي من الخليجيين ينتقدون هذه الجزئية تحديدا، هؤلاء لا يعرفون الرئيس الموظف، بل تربوا على تأليه الأسر الحاكمة؛ هم دائما تحت وطأة التقديس دون النظر لاعتبارات أخرى كالمساءلة والرقابة والمحاسبة، ناهيك عن حرية الرأي والنقد والتعبير، وناهيك أيضا عن الرؤية المستدعاة من الدولة الإسلامية التاريخية التي لا تتحدث عن رئيس موظف، بل عن خليفة للمسلمين وقائد للأمة إلى آخر هذا الهراء.

في هذا السياق تحديدا يقول ابن حزم: “من تصدر لخدمة العامة، فلابد أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس؛ لأنه لا محالة مشتوم، وإن واصل الليل بالنهار”..

كما لا يقر أي قانون أو منطق أن يُقتل شخص ما بسبب سُبة.. هاجم الإخوان معتصمي الاتحادية زاعمين أنهم كتبوا عبارات وصفوها بالمسيئة للرئيس على سور قصر الاتحادية، أحه!.

هذه مفاهيم كنا نظن أننا شيعناها إلى مزبلة التاريخ.

مثلها أيضا مفهوم احتكار الحديث باسم “الشعب”؛ وفي الحقيقة استغرب من يجرؤ عن الحديث باسم الشعب. هذا مفهوم من ميراث استبداد ضارب بجذوره في تاريخنا وثقافتنا.

وحتى لو كنت في موقع السلطة وأردت أن تتحدث باسم الشعب، عليك بدايةً أن تجيب عن إشكالية قديمة: “عمن تعبر السلطة في المجتمع؟”. حتما ليس الجميع، ما بالك برئيس جاء بأصوات 15% فقط من الشعب على أفضل تقدير (بحساب المصوتين لخصمه والمقاطعين واللامباليين أصلا وهم أيضا شعب).

الشعب، مفهوم غامض، استغلته الأنظمة السلطوية للتعبير عن كيان معنوي لا وجود له.

وفي تحليل الباحث د. شريف يونس لمفهوم “ديكتاتورية الشعب” الذي نحته عبد الناصر، رغم أن الشعب وقتها لم يكن ممثل في أي من مؤسسات الدولة، خلص إلى نتيجة مفادها أن: “ديكتاتورية الشعب هي إقامة وحراسة فراغ سياسي يُسمى الشعب”. (نداء الشعب.. تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية، ص 99).

الجميع شعب، والفرد أيضا شعب.

* * *

يتحدث من يدعمون الديكتاتور مرسي عن فكرة أنه لا يليق بالرئيس التراجع وإلا انهارت مش عارف إيه.. مثل يسري حماد الذي يتحدث ل السي بي سي بينما أكتب هذا الكلام.

هذه فكرة لا تستحق النقاش، هؤلاء ولاد متناكة لن يفهموا أي شيء أبدا.

ما أسفرت عنه معركة الأمس، تؤكد – لديّ على الأقل – ضرورة حل جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية كلها، واستبعاد قياداتهم من العمل السياسي بتهمة إفساد الحياة السياسية ومحاكمتهم على استخدام العنف ضد المتظاهرين، الأهلي والشرطي، والتحريض ضدهم لحد تكفيرهم.

* * *

ما تفوق فيه مرسي على المخلوع هو استحضار التجربة الناصرية بتفاصيلها، تحصين قرارات السلطة المؤَيَدَة ببعض الشعبية – وفي مرحلة استثنائية لها ظروفها – وحشد الأنصار الذين وقف آباءهم وأجدادهم ذات يوم من عام 54 يهتفون “تسقط الحرية”، كان ذلك قبل أن ينقلب نظام يوليو على الجميع وقتذاك بما فيهم الإخوان الذي وقفوا إلى جوار عبد الناصر.

محاولة للسيطرة على الحكم بعد استغلال الديمقراطية لمرة واحدة بإصدار إعلان دستوري ملكي، وضمان استمراره بدستور بائس كان مفترض أن ينص على حقوق المواطن وينحاز إليه ضد السلطة، رغم ذلك صدر تحت حماية السلطة نفسها!..

الإخوان يطبقون التجربة الناصرية، بما يشمل ذلك استخدام العنف، الفارق أن نظام يوليو لم يكن لديه أنصار بهذا الحجم معتنقين لأيديلوجيته الغير موجوده أو الهلامية. الجماعة هي نمط يشبه لحد كبير الحزب النازي.

* * *

يذكر التاريخ أنه قبيل انقلاب يوليو وكانت البلاد تغلي زار المرشد “حسن الهضيبي” الملك مؤكدا ولاء الجماعة للقصر.

بعد الانقلاب ساند الإخوان عبد الناصر، ووقفوا إلى جواره حين اندلعت تظاهرات تطالب بعودة الأحزاب، لدرجة أن خرج مرشدهم “الهضيبي” يتساءل: “عن أي أحزاب يتحدث هؤلاء؟”.

فيما بعد صدر القرار بحل جماعة الإخوان، واعتقل الآلاف من أعضاءها، مثلما اعتقل غيرهم من أحزاب الشيوعيين والوفد ومصر الفتاة..

يذكر التاريخ أيضا أن “الهضيبي” أُوقِف بعد تصفية الإخوان ليقود بفرع شجرة في يده الإخوان المسجونين في نشيد “يا جمال يا زعيم الوطنية”.

المدافعون عن خياراتهم | صورة أرشيفية من رويترز

صورة أرشيفية من معركة شارع عيون الحرية الثالثة نوفمبر 2012 | رويترز

Advertisements


ذهنية الطائفة لدى الإسلاميين.. الإخوان نموذجا

من لا يعرف الإخوان والسلفية، أي من لم يمر بتجربة الانخراط في صفوفهم في أي مرحلة عمرية، لن يفهم أن الإخوان أو السلفيين كيانات قائمة بذاتها، مغلقة على نفسها، غير منفتحة لا على الصعيد الفكري ولا الاجتماعي، والاجتماعي هو الأهم هنا يليه الفكري.

قناعاتك – أيا كنت وأيا كانت – من المفترض أن تكون دوما عرضة لتطور أو تغيير، أي تأثير يزحزحها عن ثباتها، ولو حتى بتقدم العمر، ولو حتى بمراجعة مع شخص يختلف معك فكريا، هناك حتما تغيير يطرأ لأي سبب.

العزلة الاجتماعية تجعل الخبرة الفكرية تتطور داخليا، ومنظور رؤيتك تشاركه مع أمثالك ممن ليسوا أقل عزلة منك. ستصل في النهاية لنتيجة محدودة ومؤطرة ولا تتجاوز السقف المسموح لك به، دينيا أو تنظيميا – أي اجتماعيا – .

قبل أن يعلن مرسي عن قراراته الكارثية، صدرت الأوامر لأفراد جماعة الإخوان المسلمين بالتحرك لقصر الاتحادية لتأييد الرئيس على قرارات غير معروفة للرأي العام.

وهنا ملاحظة مهمة فشخ: هل تسربت قرارات الرئيس المصري لجماعة الإخوان قبل أن يعرف عنها الشعب شيء فحركوا أتباعهم؟، وهل شاركت الجماعة في صياغتها أو التوجيه لها، أو حتى الاطلاع عليها – وهو الأمر الذي لم يتسنى لغيرهم – ؟!

تصرف الرئيس إذن داخل جماعته، الذين يعرفهم ويألفهم، وحتى حين خرج – بعد ليلة طويلة من الاحتجاج العنيف –  فهو لم يبالي بمخاطبة “الشعب” عبر الإعلام الرسمي، بل خرج ل “أهله وعشيرته” المنتظرين طلّته خارج قصر الاتحادية. هو حديث داخلي، يقتضي بالضرورة إنكار أي حق للآخرين، إن لم يكن اعتبارهم أعداء، أو أي معنى قريب من ذلك.

غير غريب أيضا ما لاقته القرارات الكارثية من ترحيب في أوساط الإسلاميين عموما، مع اعتقادي يقينا أن بعضهم لم يفهمها أو يسمعها بالكامل.

هذه ذهنية طائفية بحتة: كبير الطائفة اتخذ قرارا ما، عظيم، لكن الآخرين رافضين له، أوغاد.

حتى من فهموها أيدوها وبإصرار، أغلبهم اعترف أنها ربما تكون استبدادية بعض الشيء لكنه لن يستبد.. هذه أيضا ذهنية طائفية. ثقة مبعثها أنه منا، ابن طائفتنا، وإن أضر بالجميع لن يضرنا حتما.

رغم أن الإسلاميين يعرفون – وللمفارقة – أن الله تعالى يقول: “إذا تداينتم بدين فاكتبوه”، وآيات الدَين تأمر الطرفين بكتابته مهما كانت ثقة الطرفين في بعضهما، بينما أنت هنا تتحدث عن دولة كاملة، تجعلها رهينة لتقوى الحاكم، أحه يعني!

من اليوم الأول لتنصيب مرسي ديكتاتور مطلق، استهلكنا نقاش كبير يدور حول بديهيات، وإعادة تعريف مصطلحات استقر على تعريفها العالم بل وبدأ في تجاوزها، ما الدولة، ما الاستبداد، ما السلطات الثلاث.. حوار عبثي لكنه لا يشغل الآخرين الذين يتحركون في سياق طائفة تعتقد أنه تجمعها صداقة ما بالله.

أنصار الرئيس مرسي من جماعة الإخوان في تظاهراتهم المؤيدة لقراراته أمام قصر الاتحادية | رويترز