تجريب


بالمناسبة، معارضة الرئيس مجرَّمة دستوريًا !
February 8, 2013, 1:18 am
Filed under: Uncategorized | Tags: , , , , , ,

لم تعرف الدولة الإسلامية التاريخية – في ما أفرزته من أدبيات – آلية واضحة لانتخاب الحاكم بشكل مباشر من الرعية (الديمقراطية التمثيلية المتعارف عليها الآن)، بالتالي لم تُوضع آليات واضحة لمراقبته ومحاسبته إلا من خلال مجموعة “أهل الحل والعقد” الذين لم يذكر الفقهاء من يعينهم وكيف يُعينوا وكيف يُعزلوا!..

لن يذكر المشايخ لك هنا سوى بعض الأمثلة لعلماء مثل العز بن عبد السلام وأحمد بن حنبل وابن تيمية الذين وقفوا أمام الحاكم بمبادرات شخصية.. لكننا نتحدث عن آلية بدليل شرعي صحيح قاطع الدلالة كعقد واضح وصريح بين “الرعية” والحاكم، هل يوجد؟.

عرفت هذه الإشكالية بعض الاجتهادات، لكن خضوع الدولة لهيمنة الحكم العضود الذي دُشِن بعد انتهاء ولاية الخليفة الرابع – أو الخامس إذا حسبنا الحسن –، أطاح بهذه الاجتهادات وتجاهلها بزعم أن قائليها خوارج أو خارجين عن الإجماع.

لعل أفضل ما كُتب في هذه الإشكالية باجتهاد يراعي تغير الأحوال في العصر الحديث كتاب د. حاكم المطيري “الحرية أو الطوفان”، (كثير من الأصوليين انتقدوه بشدة!).

* * *

الإشكالية الأخرى الأصعب: متى يمكن الخروج على الحاكم؟

لديك أسباب عدة: الظلم والطغيان وغيرها من الشرور المطلقة، لكن ظلت هناك إمكانية للتجاوز عن كل هذه الشرور لو أظهر الحاكم الصلاح “ظاهريًا” ومكّن المسلمين من ممارسة طقوسهم الدينية علنًا ودون تضييق.

* * *

إذن، ينص دستور (2012) في مادته الثانية على أن “مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”.

ويفصل في المادة (219) أن “مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة”.

* * *

في فيديو منشور على يوتيوب لرجل دين محترف يُدعى محمود شعبان يحرّض فيه السلطة على قتل المعارضين وسفك دمائهم.

يعضد الشيخ فتواه – أو وجهة نظره – ببضع أحاديث صحيحة، أي واردة بأصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل “صحيح البخاري”.

بالتزامن خرج رجل دين آخر يُدعى أبو إسلام أحمد عبد الله بفيديو يشمت فيه ممن تعرضن للتحرش في ميدان التحرير ويصفهن بـ”الصليبيات والأرامل”، (هل كان هذا تبرير لجريمة التحرش بهن مثلاً؟).

* * *

نظريًا، لم يخالف الشيخ محمود شعبان الدين، بل جاء بأحاديث صحيحة أيدت فتواه.

لم يخالف أيضًا أحكام السياسة الشرعية، فمرسي حاكم، وله علينا السمع والطاعة، فتراث الشيخ لا يعرف “المعارضة” إلا خروجًا، وليس بمستبعد أنه اعتبر نفسه من “أهل الحل والعقد” الموكول إليهم – حصرًا – اختيار الخليفة ومراقبته كما تنص أدبيات الحكم في الإسلام، (أليس هذا كهنوت؟).

والآن، إذا كان الدستور هو المهيمن على القانون، والقانون مستمد من نصوص الدستور الذي ينص على أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع بأدلتها، إذن بالتالي لا يجب أن يبيح لك القانون في مثل هذه الحالة محاكمة شخص على استخدامه دليل شرعي وإصدار فتوى شرعية لم تخالف الشريعة، لا استدلالاً ولا إسقاطًا.. ولا إيه؟..

الدليل موجود وصحيح، والواقع أيضًا مطابق لمقتضى الفتوى.

* * *

أما الشيخ الثاني أبو إسلام، الذي وصف المتحرش بهن – وغيرهن من المتظاهرات – بأنهن متهتكات وصليبيات، فهو أيضًا غير مجرم بنص الدستور الإسلامي؛ فالراجح حسب جمهور العلماء في كتب الفقه أن سب غير المسلمة لا يوجب الحد أصلاً!.. (راجع فقه السنة للشيخ سيد سابق).

* * *

ملحوظة أخيرة: ما سبق هو محاولة للتفكير في مآلات تطبيق الشريعة – ولو بشكل جزئي – دون تحرير كثير من المفاهيم تبعًا لتغيرات الزمان.

morsi



فلما كانت الحرب الأهلية.. عن معركة المفاهيم التي تأجلت كثيرا

حتى حلول مساء يوم الأربعاء 05-12 لم أكن أعرف بالضبط ما يدور في الخارج حتى سمعت عصام العريان على شاشة الجزيرة والمذيعة تسأله عن كيفية الخروج من الأزمة، فإذا به يصرخ في الشعب أن ينزل ليحمي ما أسماه الشرعية عند الاتحادية، كررها عدة مرات بشكل هستيري. أعطاني هذا تصور مبدئي عما يدور هناك.

حين أوقفت التاكسي وقلت الخليفة المأمون مصر الجديدة، رفض السائق فقلت له “من بعيد لبعيد يا معلم”.

نزلت عند مدخل الخليفة المأمون. في بداية الشارع كانت الأجواء متوترة، المتظاهرين يحاولون تأمين المدخل لكن عددهم ليس بالكثير. توغلت حتى وصلت إلى خط التماس بين الطرفين.

سترى الآن، شارع شبه مظلم. حشود كبيرة نسبيا للرافضين، في مواجهتهم جحافل من المؤيدين تضم أشخاص ملتحين وإخوان.

كانت الحرب دائرة في شكل تراشق بالحجارة بين الطرفين، انخرطت مع المدافعين عن مواقعهم في منتصف الشارع وتقدمنا عدة مرات بالفعل. كان الإخوان يتقهقرون لكن لنقطة محددة، وكان الاتحادية يلوح في أفق مظلم نسبيا يحوطه مئات الأشباح.

لو كانت هذه حرب أهلية، فهي عبثية ومضحكة. المسافة الواسعة بين الطرفين تجعل الجميع خارج مجال قذف الحجارة، وفي كل مرة عليك التقدم وحدك أو بمجموعة صغيرة لقذف الحجارة التي تضمن أنها ستصيب المتحمسين الذين يقودون الجمع في المعسكر المضاد.

ضربت الحجارة بكثافة على معسكر الأعداء حتى انخلع كتفي مدافعا عما أتصور أنه خياراتي ومدافعا عن حقي في وجه السلطة التي اختاروا الانحياز لها، ما كان يثير حنقي هؤلاء الذين يتراجعون ويكشفون ظهرنا حين نوشك على التقدم.

بين معسكر المؤيدين كنت أرى رجالا تجاوزوا الأربعين يقذفون الحجارة، هناك ملتحين أيضا يقفزون في الهواء بجلابيبهم لرشق الحجارة. ضحكنا جدا.

على إثر إصابة طفيفة في ركبتي تراجعت للخلف كي أتفقدها، وحين عدت وجدت معسكر المؤيدين يرفعون أيديهم في الهواء ويقتربون، من أسميهم بكل أريحية معسكر الثوار بعضهم رفع يده أيضا، التقى الجمعان ودار نقاش عشوائي بين الجميع، هدوء وحدة وتلويح بالأيادي وطبطبة على الأكتاف، يتخلل ذلك قذف الحجارة من حين لآخر من بعض الأشخاص في الصفوف الخلفية. لكن الرفض من الثوار كان عنيفا فانهارت الهدنة الهشة وتراجع الجميع مرة أخرى إلى مواقعهم واستأنفوا الحرب. انتبهت إلى أنني صرت في معسكر المؤيدين فتراجعت بينهم حين رأيتهم يسحلون شاب صغير يوسعونه ضربا، اقتربت وحاولت فضهم بالصراخ أنه أعزل، لكن شخص ملتحي كان يزيح الجميع ليضربه بجنون وهو يصرخ بهستيرية “هاتوه هاتوه”. أمسكت الملتحي من ذراعه وجذبته بعيدا كي يكف عن الضرب، كانت عيناه جاحظتان والعرق يغرق جبهته وعلامات الجنون ظاهرة على وجهه وكان يلهث بانفعال شديد، عرفت حينها شيء عن أعراض المرض النفسي العصابي.

ضرب شخص أعزل بهذه الوحشية من جمع أحاط به وشل حركته – حتى ولو كان هذا الجمع يمثل القانون ويحتكر بموجبه العنف، كالبوليس – غير مقبول أصلا، ما بالك بمن يدعي أنه يعتنق منظومة قيمية مفترض أنها تجرّم التعذيب والاعتداء على الأسير والأعزل.

توغلت خلف ما يوصف بخطوط العدو، كان حشد الأعداد كبيرا بالفعل، والوجوه أغلبيتها العظمى ريفية.

ما يمكن أن تراه في جمع أغلبه إخواني هم أشخاص يشبهون بعضهم لحد كبير، لحد مدهش في الحقيقة.

نمط الزي واحد تقريبا، ملابس كلاسيكية، تقليدية للغاية. أيضا اللحى الخفيفة وتسريحة الشعر العادية. تستطيع تميز حشود الإخوان بمجرد النظر إليهم.

كان هناك أربعينيون وأشخاص كبار في السن لحاهم بيضاء يبدو أنهم قادة “الأسر” أو “الشُعب” الموجودة، كانوا هنا كقادة ميدانيين يديرون المعركة، بل إن بعضهم كان يجمع الحجارة من عند قضبان مترو مصر الجديدة ويعبئونه في أجولة لنقله لصفوف القتال الأمامية. خفت التقاط صور كي لا ينتبه أحد، كنت أعي أيضا أني في بيئة معادية، لم أجرؤ حتى على إشعال سيجارة بينهم.

لكن حزنا عميقا تملكني أن يدفع هؤلاء الذين ينظرون لأنفسهم كقياديين في الجماعة بهذا الشباب الصغير كي يقتل نفسه بينما هم في الخطوط الخلفية يدردشون ويشربون الشاي. تحكموا في شباب صغير لدرجة طريقة الفهم واللبس وقصة الشعر. أصبح شباب الإخوان نسخ مكررة من بعضهم، ونسخ مكررة من قياداتهم.. داهمني شعور شديد ببؤس هذه الأجواء، بما يمكن أن ينال من حريتي بشكل حقيقي إن فرض هؤلاء عليّ قناعاتهم، وهو برأيي ما كانوا يفعلوه هنا، يريدون الجميع مثلهم، بأفكارهم وقناعاتهم ومفاهيمهم وحتى طريقة لبسهم، ولو اضطروا لاستخدام العنف. إنها جماعة نازية.

* * *

لا يحتاج الاستبداد – كفكرة بدائية – إلى خلفية معرفية، باعتباره مفهوم قائم على الاستسلام للغرائز، مثل الانتشاء بالقوة والرؤية الأحادية، بينما تحتاج الحرية – كمفهوم – لقدر ولو بسيط من المعرفة كي تتفهم معنى حق الإنسان في التظاهر والتعبير عن الرأي، وأن الشخصيات العامة معرضة للنقد لأقصى درجة، وأن السلطة لا تحتاج لمؤيدين لأنها تملك قوة القانون والأجهزة الأمنية التي تجعلها قادرة على فرض قراراتها دون الحاجة لمدنيين يخوضوا حربا أهلية مع مواطنين مثلهم. فمتى تفهم الجماعة أنها في الحكم وليست في المعارضة؟، وأنه من غير المنطقي أن تشغل ذات المكانين، السلطة والمعارضة؟، هذا إقصاء اعتمده النازيون والفاشستيون وغيرهم من النظم البائدة.

تحديدا ما يتعلق بما يُسمى إهانة الرئيس، ستجد مؤيدين مرسي من الخليجيين ينتقدون هذه الجزئية تحديدا، هؤلاء لا يعرفون الرئيس الموظف، بل تربوا على تأليه الأسر الحاكمة؛ هم دائما تحت وطأة التقديس دون النظر لاعتبارات أخرى كالمساءلة والرقابة والمحاسبة، ناهيك عن حرية الرأي والنقد والتعبير، وناهيك أيضا عن الرؤية المستدعاة من الدولة الإسلامية التاريخية التي لا تتحدث عن رئيس موظف، بل عن خليفة للمسلمين وقائد للأمة إلى آخر هذا الهراء.

في هذا السياق تحديدا يقول ابن حزم: “من تصدر لخدمة العامة، فلابد أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس؛ لأنه لا محالة مشتوم، وإن واصل الليل بالنهار”..

كما لا يقر أي قانون أو منطق أن يُقتل شخص ما بسبب سُبة.. هاجم الإخوان معتصمي الاتحادية زاعمين أنهم كتبوا عبارات وصفوها بالمسيئة للرئيس على سور قصر الاتحادية، أحه!.

هذه مفاهيم كنا نظن أننا شيعناها إلى مزبلة التاريخ.

مثلها أيضا مفهوم احتكار الحديث باسم “الشعب”؛ وفي الحقيقة استغرب من يجرؤ عن الحديث باسم الشعب. هذا مفهوم من ميراث استبداد ضارب بجذوره في تاريخنا وثقافتنا.

وحتى لو كنت في موقع السلطة وأردت أن تتحدث باسم الشعب، عليك بدايةً أن تجيب عن إشكالية قديمة: “عمن تعبر السلطة في المجتمع؟”. حتما ليس الجميع، ما بالك برئيس جاء بأصوات 15% فقط من الشعب على أفضل تقدير (بحساب المصوتين لخصمه والمقاطعين واللامباليين أصلا وهم أيضا شعب).

الشعب، مفهوم غامض، استغلته الأنظمة السلطوية للتعبير عن كيان معنوي لا وجود له.

وفي تحليل الباحث د. شريف يونس لمفهوم “ديكتاتورية الشعب” الذي نحته عبد الناصر، رغم أن الشعب وقتها لم يكن ممثل في أي من مؤسسات الدولة، خلص إلى نتيجة مفادها أن: “ديكتاتورية الشعب هي إقامة وحراسة فراغ سياسي يُسمى الشعب”. (نداء الشعب.. تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية، ص 99).

الجميع شعب، والفرد أيضا شعب.

* * *

يتحدث من يدعمون الديكتاتور مرسي عن فكرة أنه لا يليق بالرئيس التراجع وإلا انهارت مش عارف إيه.. مثل يسري حماد الذي يتحدث ل السي بي سي بينما أكتب هذا الكلام.

هذه فكرة لا تستحق النقاش، هؤلاء ولاد متناكة لن يفهموا أي شيء أبدا.

ما أسفرت عنه معركة الأمس، تؤكد – لديّ على الأقل – ضرورة حل جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية كلها، واستبعاد قياداتهم من العمل السياسي بتهمة إفساد الحياة السياسية ومحاكمتهم على استخدام العنف ضد المتظاهرين، الأهلي والشرطي، والتحريض ضدهم لحد تكفيرهم.

* * *

ما تفوق فيه مرسي على المخلوع هو استحضار التجربة الناصرية بتفاصيلها، تحصين قرارات السلطة المؤَيَدَة ببعض الشعبية – وفي مرحلة استثنائية لها ظروفها – وحشد الأنصار الذين وقف آباءهم وأجدادهم ذات يوم من عام 54 يهتفون “تسقط الحرية”، كان ذلك قبل أن ينقلب نظام يوليو على الجميع وقتذاك بما فيهم الإخوان الذي وقفوا إلى جوار عبد الناصر.

محاولة للسيطرة على الحكم بعد استغلال الديمقراطية لمرة واحدة بإصدار إعلان دستوري ملكي، وضمان استمراره بدستور بائس كان مفترض أن ينص على حقوق المواطن وينحاز إليه ضد السلطة، رغم ذلك صدر تحت حماية السلطة نفسها!..

الإخوان يطبقون التجربة الناصرية، بما يشمل ذلك استخدام العنف، الفارق أن نظام يوليو لم يكن لديه أنصار بهذا الحجم معتنقين لأيديلوجيته الغير موجوده أو الهلامية. الجماعة هي نمط يشبه لحد كبير الحزب النازي.

* * *

يذكر التاريخ أنه قبيل انقلاب يوليو وكانت البلاد تغلي زار المرشد “حسن الهضيبي” الملك مؤكدا ولاء الجماعة للقصر.

بعد الانقلاب ساند الإخوان عبد الناصر، ووقفوا إلى جواره حين اندلعت تظاهرات تطالب بعودة الأحزاب، لدرجة أن خرج مرشدهم “الهضيبي” يتساءل: “عن أي أحزاب يتحدث هؤلاء؟”.

فيما بعد صدر القرار بحل جماعة الإخوان، واعتقل الآلاف من أعضاءها، مثلما اعتقل غيرهم من أحزاب الشيوعيين والوفد ومصر الفتاة..

يذكر التاريخ أيضا أن “الهضيبي” أُوقِف بعد تصفية الإخوان ليقود بفرع شجرة في يده الإخوان المسجونين في نشيد “يا جمال يا زعيم الوطنية”.

المدافعون عن خياراتهم | صورة أرشيفية من رويترز

صورة أرشيفية من معركة شارع عيون الحرية الثالثة نوفمبر 2012 | رويترز



مشهد (1): ليل / خارجي
August 22, 2012, 8:39 pm
Filed under: Uncategorized | Tags: , ,

 الثلاثاء 25 يناير 2011

انطلاقًا من دار السلام، مرورًا بخمس محطات وصولاً للسادات لم أكن أعرف لِم أنا ذاهب لوسط البلد، باعتقادي أن قطاع عريض من الذين رأيتهم على هدي الأضواء الكابوسية لميدان التحرير جاءوا بهذه الطريقة: اتصال عابر بصديق للاطمئنان عليه تكتشف أنه هناك ويسبك لأنك مازلت في البيت فتقول بعجالة أنا جاي وتغلق لتتصل بصديق يسكن بالقرب منك ليقابلك في محطة المترو وتذهبا سويًا.

نختلف نحن، أو أختلف أنا، في أن إرادة التغيير تنمو ببطء، ويجب أن يرافقها معادل بصري مناسب كالذي وجدت نفسي محاصرًا فيه إلى جوار مجمع التحرير بوسط البلد.. في مرحلة ما، أودع القيم الكبرى والانشغال بالهم العام، أنا لم أُرَبَى أيديولوجيًا على ضرورة إحداث أي فرق فيما يدور حولي، فلا منطق داخلي للتفاعل بشكل جدي مع حدث ولو بمثل هذه الضخامة. من كانوا قبلنا، حتى من عُزلوا عن المعادل البصري المناسب، رأوا الانكسار في عيون الآباء إبان النكسة وفرحة الانتصار في الشوارع في حرب 73 ، وفوضى الشوارع في ثورة الجياع والقبضة الأمنية الفولاذية عقب اغتيال السادات ومرحلة تجفيف المنابع والتعامل بالسلاح المباشر مع أي بادرة تمرد خلال حقبة التسعينات.

في مرحلة استقرار نسبي، نعيشها، أو أعيشها أنا، اقتصاديًا وأمنيًا، أرى العصيان المدني ضربًا من “البطر” والفراغ، أو على الأقل إشباع الرغبة في إثارة الفوضى والعنف وتحويل مصر إلى نادي قتال كبير.

تملكتني أفكار كهذه قرابة ثلاث محطات، من الملك الصالح حتى وصلنا إلى سعد زغلول.. فكرنا في النزول في سعد زغلول للالتفاف حول الاعتصام من الخلف والبحث عن ثغرة للدخول، فالنزول في السادات كما أتوقع يقذف بنا إلى داخل المظاهرة ويجعلنا حبيسي الميدان.

في محطة السادات، نلاحظ التحفز على وجوه العساكر نحيفي الأبدان الذين يقفون على البوابات إلى جوارهم بضع مخبرين بمظهرهم التقليدي، شوارب كثة وأكتاف مفتولة وملامح غبية “أي قاسية”، يتفحصون النازلين بنظرات نارية.

خرجنا إلى الميدان فشهقنا بإفيه مبتذل “أحه، ؤمال مين اللي ع الجبهة”..

كانت جموع المتظاهرين الغفيرة محاصرة داخل رقعة واسعة من الميدان، جميع الشوارع من وإلى الميدان مغلقة بصفوف طويلة سوداء وعربات مدرعة تصدر أصوات وأضواء عصبية.

من كانوا يخططون لقضاء الليلة في الميدان مثلنا بالتأكيد سيراجعون أنفسهم حين تشتد وطأة القمع، عليهم حينها السير على الأقدام في جماعات لاختراق الكردونات الأمنية وكسر الحصار، وهو ما يهدد بالتحام مباشر لن يملك الكثير منا الشجاعة لخوضه.

ننخرط في الجموع، فالتشتت يهدد باختطاف من يشرد عن المجموعة.. نقف لنراقب الأمن عبر مساحة الفراغ الكبيرة بيننا. يحاول أحدنا ترديد هتاف ما، “الشعب، يريد، إسقاط النظام”، يوافقه البعض ثم ما يلبث أن يتبدد الصوت ويختفي. أفتح الموبايل لمكالمة أصدقائنا، لا توجد شبكة، أشعر بوطأة الجو الكابوسي حولنا.

. . .

في لحظات يدوي صوت مكتوم، ونرى في السماء خيوط الدخان البيضاء تطير في قوس واسع لتسقط بيننا، نبدأ في التشتت، يحاول البعض لم الشمل لكن الدخان يعمي العيون، نتراجع بارتباك محاولين الحفاظ على تماسك الحشد، تتساقط القنابل بيننا، نتراجع إلى الخلف، ألاحظ أن الصفوف السوداء تتراجع أيضًا للحفاظ على مساحة الفراغ بيننا، الالتحام سيكون مأساوي، والغاز ثقيل فعلاً، لا أرى شيء تقريبًا ولا أملك القدرة على فتح عيني وأشعر بالاختناق، أبحث عن صديقي، أناوله منديل ليضعه على أنفه وأحذره بجدية بالغة من “دعك” عينيه.

البعض يرتدي أقنعة طبية، جئنا إلى هنا اعتباطًا كأننا ذاهبين لنزهة، لم نتخذ أي احتياطات.. يتكاثف الدخان في الهواء فنتراجع بحثًا عن منطقة نقية نعيد التجمع فيها.. يجبرنا الدخان الكثيف على الركض باتجاه المتحف المصري وأخمن أن الصفوف السوداء بدأت في حركتها المتباطئة خلفنا، فتاة تسقط مغشيًا عليها فيحملها صديقها ويواصل العدو، يدخل بعضنا إلى أحد مواقع البناء الملاصقة للمتحف بينما يستمر الآخرون في تراجعهم إلى عبد المنعم رياض.. نسير وسط معدات البناء والخزانات الضخمة، يتلاشى أثر الدخان تدريجيًا وتدمع أعيننا بغزارة، أسعل وأحس بصدري يُشرخ.. نسمع صوت طلقات في الخارج، صوت قوي مخيف.. مجموعة أخرى تعدو إلينا، يصرخ شاب “إيه صوت الضرب دا.. رصاص؟!” نتحرك للخروج من المكان، يسقط شاب يحمل حقيبة ثقيلة، أميل عليه “مالك؟” “مش قادر أتنفس”، يتصاعد صوت الضرب المبهم مرة أخرى، أساعده على النهوض وأفكر أن حمل حقيبة بهذا الحجم في هذه الظروف غباء بلا أدنى شك، يحمله آخر معي ونواصل المشي.. في الشارع المحاذي للمتحف المصري والمؤدي للكورنيش نجد شابًا ينزف من رأسه بغزارة، يقول إن قنبلة الغاز سقوط فوقه. جرح غائر فوق الحاجب، أبحث عن شيء لربط الجرح فيناولني شاب طاقيته الصوف، يميل برأسه فألبسها له نزولاً لجرح الحاجب، لكنه يظل في حاجة لقطعة قماش لربط الجرح ووقف النزيف، نواصل المشي.. رؤية الدماء لماذا هي مفزعة لهذا الحد؟.. نمر بحرس المتحف وبعض العساكر بهراوتهم ومصداتهم، نمر إلى جوارهم فيتابعونا بتحفز.. لا أضمر أي نية لهؤلاء، أراهن على أن ظروفنا واحدة وتراودني ذات الفكرة الساذجة أننا كلنا مصريون، وأن معركتنا ليست مع هؤلاء بل مع من يقودونهم.. ربما يختلف الأمر ويغير كل منا فكرته عن الآخر لو جاءت لحظة للالتحام.

بحساسية اعتياد أثر القنابل المسيلة للدموع، تبدأ أعيننا في الهيجان مرة أخرى حين نشرف على طريق الكورنيش، أخمن أن مواجهة تدور رحاها في الخارج، لكن صوت الرصاص خلفنا يجبرنا على التقدم.. نخرج عدوًا في مجاميع، السماء ملبدة بالسحب الكثيفة والاختناق يعود من جديد، ننزل السلالم المؤدية إلى المراكب، يفك أحدهم حبل المركب ويقفز مع مجموعة إلى عرض النيل.. نجري إلى مركب ونتدافع فيه، يعدو صاحبه “رايحين فين؟” يسعل بشدة وهو يدخل إلى آخر المركب حيث المحرك، يصرخ فيمن يبدو أنه مساعده أن يأتيه بجركن جاز ليشغل المحرك ويخرج من هنا، يدور المركب ويذهب بنا إلى عرض النيل في اتجاه الريح بعيدًا عن سحب الدخان القوية، نرتمي على المقاعد نلتقط أنفاسنا.. في الأفق، أرى السيارات مكدسة فوق كوبري قصر النيل، والصف الأسود الطويل يطوقه من بدايته لنهايته.. يواصل المركب إبحاره، أحدهم بصحبة خطيبته على ما يبدو يسأل المراكبي “على فين؟” ينظر حوله “مش عارف، المهم بعيد عن الدخان”..

. . .